الجمعة، 19 أكتوبر 2018

تجربة التلفزيون السوري في الإنتاج السينمائي



ربما يثير هذا العنوان للوهلة الأولى دهشة بعض القرّاء فالمتعارف عليه عندنا هو أن التلفزيون للتلفزيون و السينما للسينما و لعل هذا القول تحديداً هو الذي أدى إلى الإطاحة بتجربة التلفزيون في حقل الإنتاج السينمائي لمرّتين. في الماضي كانت الأفلام السينمائية تصور على أشرطة السيلولويد قياس 16 أو 35 مم التي حلت كبديل عن أشرطة نترات الفضّة كما كانت الأفلام الإخبارية و الوثائقية المخصصة للعرض التلفزيوني تصّور بنفس الطريقة و من هنا جاءت حاجة التلفزيون السوري بعد تأسيسه بفترة وجيزة لكوادر سينمائية مختصة في هذا المجال و أعلن في الستينيات عن بعثات لدراسة السينما في موسكو لصالح التلفزيون بينما استمرت في هذه الأثناء دائرة الخدمات السينمائية التابعة للتلفزيون بإنتاج بعض الأفلام التسجيلية و الروائية التي أنجزها مخرجون مثل صلاح دهني، قيس الزبيدي، أمين البني، خلدون المالح و غسان باخوس و من أبرز هذه الأفلام محاولة عن سد الفرات 1970 لعمر أميرالاي كما يشير جان ألكسان في كتابه عن السينما السورية إلى أن التلفزيون أنتج في ذلك الوقت فيلم الرجل و هو فيلم روائي طويل من إخراج فيصل الياسري.
تأسست دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون سنة 1974 بعد عودة السينمائيين الموفدين إلى الاتحاد السوفيتي لصالح التلفزيون، و بينهم سينمائيين كبار أبرزهم محمد ملص و هيثم حقي، و باشرت الدائرة بإنتاج أفلام تسجيلية و روائية قصيرة أنجزها المخرجون العائدون حديثاً إلى جانب المخرجين المذكورين سابقاً اللذين استمروا بالعمل و من بين هذه الأفلام الدجاج لعمر أميرالاي، القنيطرة 74 و الذاكرة لمحمد ملص كما أنجز هيثم حقي لهذه الدائرة الكثير من أفلامها القصيرة مثل مهمة خاصة  - النار و الماء - السدّ و الأرجوحة و الفيلم الروائي الطويل التقرير أو ملابسات حادثة عادية و يشير المخرج هيثم حقي إلى أن إدارة التلفزيون لم تكن راضية عن توجه هذه الأفلام و هذا أحد أسباب توقف الدائرة عن الإنتاج إلى جانب أسباب أخرى أبرزها دخول الكاميرا المحمولة و تقنية تصوير الفيديو و مع ذلك استمرت الدائرة في الثمانينيات بإنتاج أفلام سينمائية تسجيلية غلب عليها الطابع التقريري أنجزها مخرجون انضموا إلى التلفزيون في تلك الآونة منهم غزوان بريجان، محمد بدرخان، محمد اسماعيل آغا و علاء الدين الشعار و قد أصبح، في ذلك الوقت، للحديث عن الأفلام السينمائية و التلفزيونية قاعدة علمية إذ حُصِرَ الإنتاج السينمائي بمؤسسة السينما لكونه عملية مكلفة تتطلب استيراد علب الخام و وجود معامل للطباعة و التحميض و جيش من و التقنيين المختصين سينمائياً بينما أقدمت دائرة الإنتاج التلفزيوني ضمن الهيئة العامة للإذاعة و التلفزيون على إنتاج أفلام تلفزيونية تسجيلية و روائية اصطلح على تسميتها سهرات تلفزيونية و قد ازدهرت هذه الظاهرة كثيراً في التسعينيات و أقبل على إنتاجها القطاعين العام و الخاص على السواء و بالتأكيد لم تكن هذه السهرات صالحة للعرض السينمائي لأنها مصورة على أشرطة فيديو حتى و إن كان تنفيذها يتم بطريقة سينمائية عبر استخدام الكاميرا الواحدة و التصوير في المواقع الطبيعية و قد توقف إنتاجها بشكل شبه تام مع بداية القرن الحالي لأسباب تسويقية على الأرجح.
شهدت تقنية الديجيتال في السنوات الأخيرة تطوراً هائلاً و صارت تُعتَمَد في كثير من الصناعات المتقدمة كبديل عن طريقة التصوير السينمائي التقليدية خاصة مع ظهور و انتشار وسائل العرض الرقمي في الصالات و أدى ذلك لتوحيد طريقة العمل السينمائي و التلفزيوني إذ أصبحت الأفلام السينمائية تُصَور بكاميرات الديجيتال و زالت الحاجة لعلب الخام و معامل الطباعة و التحميض و مع إحداث المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني و الإذاعي في سوريا سنة 2010 و مجيء إدارة متحمسة و واعية لضرورة عودة التلفزيون إلى إنتاج الأفلام تمَّ وضع عدة أفلام على قائمة الإنتاجات الجديدة و ظهر سنة 2011 الفيلم الروائي الطويل طعم الليمون من تأليف رافي وهبي عن فكرة لحاتم علي و إخراج نضال سيجري و عُرِضَ جماهيرياً في سينما الكندي و قد شكَّل ذلك سابقة و أنعش الآمال بإمكانية ظهور جهات تنتج الأفلام السينمائية غير مؤسسة السينما و بهمة عالية و نشاط دؤوب و وتيرة سريعة، لم نعتد عليها عند المؤسسات الحكومية، تابعت مؤسسة الإنتاج مشروعها في الإنتاج السينمائي و شاركت بتمويل الفيلم الروائي الطويل الحاسة الثانية من تأليف أحمد قصّار و إخراج أحمد درويش الذي تعطّل تصويره لفترة طويلة بسبب نقص التمويل قبل أن يُستَكمل بدعم من المؤسسة و عُرِضَ في تظاهرة آفاق على هامش أيام قرطاج السينمائية سنة 2012 كما أعلن عن مشروع أحلام سينمائية سورية قصيرة و هو مشروع طموح لإنتاج أفلام روائية قصيرة لصالح التلفزيون و أُنتِجَت خلال دورته الأولى أربعة أفلام هي رياح كانون المبكرة لأحمد الخضر، 29 شباط لمهند كلثوم، جدارية الحب لأوس محمد و دون عنوان لأحمد سويداني و شارك بعضها في مهرجان روتردام و أيام قرطاج و سرعان ما تلقفت مؤسسة السينما هذا المشروع بعد انتهاء دورته الأولى و قد أثار حفيظتها أن تقدم مؤسسة الإنتاج التلفزيوني على إنتاج أفلام قصيرة لأن ذلك، حسب رأيهم، ليس من اختصاصها و أطلقت المؤسسة المشروع نفسه باسم مشروع دعم سينما الشباب و أقامت له مهرجاناً خاصاً أغرِقَت شاشاته بسيل من الأفلام القصيرة متواضعة المستوى و هذا نتاج طبيعي لتقليص القيمة المادية للمنحة و هو ما أدى بدوره لتقليص أيام التصوير من أربعة إلى يوم واحد فقط و قد تخلّت الإدارات المتعاقبة على مؤسسة الإنتاج عن طموح الإنتاج السينمائي و تفرغت لإنتاج المسلسلات متناسية أن الغالبية العظمى من المحطات و المؤسسات التلفزيونية في العالم تشارك بإنتاج الأفلام السينمائية لأهميتها الثقافية و التنويرية و الأجدى اليوم أن تعيد إدارة مؤسسة الإنتاج إحياء مشروع إنتاج الأفلام بدلاً من السكيتشات و الثلاثيات و الرباعيات التي لم يعد شكلها يتناسب مع طبيعة العصر خاصة أنها كجهة رسمية قادرة على عرض أفلامها جماهيرياً في صالات الكندي و تلفزيونياً عبر الفضائيات التابعة لها كما تقدر على بيعها للمحطات الخاصة و هذا يعود عليها بفائدة اقتصادية تغطي جزءً من تكلفة الإنتاج و ترفد السينما المحلية بأفلام مختلفة و متنوعة قادرة على خلق حراك سينمائي لائق طال انتظاره.


عمرو علي
2018 / 10 / 19

الاثنين، 15 أكتوبر 2018

أفلام ورشة الدراما من أجل التغيير الاجتماعي في المهرجانات العربية!



تمًّ مؤخراً عرض فيلمين من بين مجموعة أفلام قصيرة هي حصيلة ورشة الدراما من أجل التغيير الاجتماعي من تنظيم منظمتيّ مدني و البحث عن أرضية مشتركة و هما الحبل السرّي من تأليف رامي كوسا و إخراج الليث حجو الذي حجز لنفسه مكاناً هاماً وسط منافسة صعبة في مهرجان الجونة، و خيمة 56 من تأليف سندس ابراهيم و إخراج سيف الشيخ نجيب الذي حصد قبل أيام جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط بينما ما تزال بقية الأفلام تنتظر عروضها الأولى في المهرجانات خلال الفترة القادمة.
عُقِدَت الورشة في بيروت بين يوليو و سبتمبر 2017 و ضمّت عدداً من كتَّاب السيناريو اللذين توزعوا على مجموعتين منفصلتين عمل مع كل منهما السيناريست الهولندي براندون أوليفسه على تطوير مشاريع أفلام روائية قصيرة أنجز بعضها على مدى السنة الفائتة مخرجون انضموا للورشة خلال اللقاءات التشاورية التي نُظِمَت بعد انتهاء جدول الأعمال و تمخض هذا المشروع بالمحصلة عن إنتاج اثني عشر فيلم قصير، من قبل الجهتين المنظمتين للورشة بدعم من الإتحاد الأوروبي و بعض شركات القطاع الخاص، أنجزها الليث حجو، سؤود كعدان، واحة الراهب، سيف الشيخ نجيب، رافي وهبي، ماهر صليبي، اسماعيل ديركي، جمال سلوم، مجد الزغير، سفيناز محمد و كريم قبراوي كما أنجزتُ فيلمي اليقظة ضمن هذا المشروع و كنت واحداً من اللذين آثروا كتابة و إخراج أفلامهم بأنفسهم طالما لهم تجارب سابقة في هذا المجال، و إن كانت الأفلام جميعها تدور حول قضية المرأة السورية في ظل الحرب إلا أنها جاءت ضمن معالجات اختلفت باختلاف رؤى صنَّاعها لا سيما أنهم ينتمون لأجيال و تجارب مختلفة ففي الحبل السرّي، على سبيل المثال، ثمّة امرأة توشك على الولادة و تعجز عن مغادرة بيتها الواقع في جبهة قتال يسيطر عليها قنَّاص، أما في جدايل لإسماعيل ديركي فتحاول الأم الهرب مع ابنتها من مدينتها الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة وسط رحلة قد تودي بحياتهما، و في اليقظة امرأة تترك زوجها الذي يخطط لزواج جديد بعد أن يبيع فستان زفافها لتغطية تكاليف العرس، و الحقيقة أن أهمية هذا المشروع تتأتى من كونه شكّل فرصة للتواصل و الاحتكاك بين صنَّاع الأفلام، و معظمهم من العاملين في الدراما التلفزيونية بالأصل، و المشرفين على ورشة العمل بخبراتهم القيّمة إلى جانب بعض ناشطي المجتمع المدني و الباحثين اللذين قدموا مداخلات حول واقع المرأة السورية و رؤيتهم للدور الذي قد تضطلع به السينما و الدراما في هذا الصدد و هذه واحدة من حالات الحوار النادر أصلاً بين صنَّاع الأعمال الفنية و ممثلي تيارات ناشطة في المجتمع دون أن نغفل ما يمثّله إنتاج هذا الكم الكبير من الأفلام القصيرة من رفد و دعم للسينما السورية خاصة حين يتم هذا الإنتاج وفق شروط احترافية تناسب طبيعة و ضرورات العمل السينمائي و هذه طريقة إنتاج شبه غائبة بالنسبة للسينمائيين اللذين ينجزون أفلامهم في سوريا حيث ما تزال شركات الإنتاج الخاصة تحجم عن دعم السينما و ما تزال المنظمات و الهيئات القادرة على القيام بهذه المهمة تنأى بنفسها بعيداً عن هذه المشاريع فالثابت أن البلاد لم تشهد منذ انتهاء مشروع منح الأفلام القصيرة التي قُدِمَت في إطار احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية سنة 2008 أيّة فعاليات أو نشاطات لإنتاج أفلام قصيرة احترافية قادرة على الحضور و المنافسة في المهرجانات و رغم الأهمية التي يوليها البعض لمشروع دعم سينما الشباب الذي أطلقته مؤسسة السينما قبل بضع سنوات إلا أنه يتضح برؤية موضوعية لهذا المشروع و لنتائجه عجزه عن إنجاز أفلام جيّدة المستوى نظراً لتواضع قيمة المنحة و تردي شروط العمل و هذا ربما يفسر جانباً من أسباب غياب الأفلام القصيرة الجيّدة عن قائمة إنتاجات المؤسسة خلال السنوات الأخيرة عكس ما كان سائداً في السابق لمّا كان مهرجان دمشق فرصة لمشاهدة أفلام سورية قصيرة تحمل الكثير من القيمة و البلاغة السينمائية استطاعت إثبات أهميتها في مهرجانات كبيرة و حصلت على جوائز رفيعة و حققت للسينما السورية سمعة متميّزة و الأكيد أن تردي واقع الإنتاج في سوريا ليس مبرراً مقنعاً لتقاعس المخرجين عن السعي و البحث لتأمين مصادر إنتاج و تمويل لم يعد الوصول إليها اليوم شديد الصعوبة و ذلك على غرار ما يفعله سينمائيون مصريون و عرب من أصحاب المشاريع السينمائية الهامة و الجادة و بالعودة إلى مشروع ورشة الدراما من أجل التغيير الاجتماعي تتضح بالنتيجة، مهرجاناً وراء مهرجان، أهمية هذا المشروع بما تحققه الأفلام المُنتَجة في إطاره من سمعة جيّدة و استحسان نقدي بيّن كما تعد الأفلام التي لم تُعرَض بعد بمزيد من التميّز و التوهج، فما الذي تريده أيّة سينما أكثر من ذلك؟

عمرو علي
2018 / 10 / 15

الجمعة، 5 أكتوبر 2018

هل يصبح المسلسل التلفزيوني فيلماً سينمائياً حقيقياً؟



يشارك في مهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط هذا العام الفيلم السوري روز من تأليف حازم سليمان و إخراج رشا شربتجي و إنتاج شركة إيمار الشام و الفيلم مبني، حسب تصريحات منسوبة لصنّاعه و منتجيه، على أحد الخطوط الرئيسية في المسلسل التلفزيوني شوق و تحديداً الشخصية التي قامت بأدائها الفنانة سوزان نجم الدين و قد ذكر بعض الصحافيين أن الفيلم يعدّ التجربة السورية الأولى في تحويل مسلسل إلى فيلم سينمائي متناسين، بقصد أو دون قصد، أن علاقة الدراما السورية بالسينما علاقة قديمة تعود إلى ما قبل عقدين من الزمن و قد شكّلت، و ما تزال، ظاهرة لم تشهدها أيّة صناعة تلفزيونية عربية أخرى.
يتفق معظم الباحثون على أن صناعة السينما السورية لفظت أنفاسها الأخيرة منذ مطلع التسعينيات بالتزامن مع انتشار الفضائيات العربية و تطور الدراما المحلية و انقطاع الجمهور عن ارتياد الصالات و هو ما أدى لانخفاض كمية الإنتاج و توقف كبار المنتجين عن العمل إلا أنه رغم قتامة المشهد السينمائي آنذاك تمَّ إنتاج أفلام مثل سواقة التكسي، سحاب، و المرابي و لكنها لم تحقق نجاحاً جماهيرياً يُذكَر كما حاولت النجمة إغراء، في ذلك الوقت، إعادة جمهورها إلى السينما فأخرجت و أنتجت فيلمها الأخير أسرار النساء سنة 1994 و لم يُعرَض، كما ذكرت في حوار شخصي معها، إلا بشق الأنفس بعد سجال طويل مع الرقابة ليمسي خاتمة رحلة القطاع الخاص التي انتهت بإغلاق صالات و تحّول أخرى لمراتع للمتسكعين و راحت الأعين، منذ ذلك الحين، ترنو إلى شاشات التلفزيون حتى نسي الكثيرون أنه كان ثمّة صناعة اسمها: صناعة السينما!
تطورت الدراما السورية بفعل عدة عوامل أبرزها الخروج إلى المواقع الطبيعية و التصوير بكاميرا واحدة، أي استخدام اللغة السينمائية في صناعة المسلسل، و قد التقى هذا التطور مع حماسة النجم أيمن زيدان و المخرج باسل الخطيب لإنجاز فيلم سينمائي و شهد مهرجان الإسكندرية سنة 2000 عرض فيلم الرسالة الأخيرة الذي تمَّ إنجازه خلال تصوير مسلسل الطويبي 1998 في مواقع التصوير نفسها و هو من تأليف قمر الزمان علوش عن رواية أطياف العرش لنبيل سليمان و ذكر الأستاذ أيمن زيدان، خلال حوار شخصي معه، أنه تم تصوير الفيلم بكاميرا 16 ملم و إنجاز العمليات الفنية في إستديوهات سكلافيس في اليونان رغم أن الفيلم، في الحقيقة، إعادة لقصة المسلسل بالاعتماد على فريق العمل نفسه من كاتب سيناريو و ممثلين و فنيين و يبدو أنه لم تتم الموافقة على عرض الفيلم في سوريا، كما لم يُسمَح بعرض المسلسل على القنوات المحلية، للتشابه الكبير، كما قيل، بين سيرة سلمان المرشد و قصة البطل طاهر الطويبي الذي يبدأ حياته بمقاومة الفرنسيين و ينتهي به المطاف إلى قيادة تمرد على حكومة الاستقلال مأخوذاً بهاجس تحقيق العدالة الكاملة قبل أن يكتشف أنها مستحيلة المنال و رغم أن هذه التجربة مهدّت الطريق لما قد يبتعها من تجارب مُنتَظرة إلا أن أحداً من المنتجين لم يمضِ في هذا الاتجاه باستنثاء شركة سورية الدولية التي عملت على تحويل مسلسل أحلام كبيرة 2004 من تأليف أمل حنا و إخراج حاتم علي إلى فيلم روائي طويل بعنوان العشّاق تمَّ تصويره بكاميرا الديجيتال خلال فترة شهدت خلالها هذه التقنية تطوراً ملحوظاً مع بدأ استخدامها عالمياً بتصوير بعض الأفلام و عربياً بتصوير أفلام مستقلة و قد صرّح صنَّاع هذا الفيلم بأنه اختبار لإمكانية استخدام كاميرا الديجيتال في تصوير أفلام مخصصة للعرض السينمائي و تم تحويل الفيلم من شريط ديجيتال إلى شريط 35 ملم في إستديوهات تركيا و عُرِضَ جماهيرياً في صالتيّ الزهراء بدمشق و حلب سنة 2008 بعد ثلاث سنوات على إنجازه، و كحال الرسالة الأخيرة، يعيد العشَّاق تقديم قصّة المسلسل بعد الاستغناء عن بعض الشخصيات و الخطوط الدرامية و استبدال ممثلين بممثلين آخرين و تصوير مشاهد خاصة بالفيلم لم يسبق عرضها في المسلسل و قد سمعت خلال أحد العروض بعض المشاهدين و هم يتنبؤون بالأحداث القادمة كما استهجن بعضهم تغيير الممثلين و لم يخفِ آخرون خيبتهم من الفيلم الذي يعيد تقديم حكاية سبق و أن شاهدوها على التلفزيون و مع ذلك أثبتت التجربة عطش الجمهور لاستعادة طقس مشاهدة فيلم سوري في الصالة و حققت جزءً من هدفها المُعلَن و هو توريط القطاع الخاص في الإنتاج السينمائي إذ سرعان ما ساهمت الشركة نفسها بإنتاج فيلم مرة أخرى من تأليف و إخراج جود سعيد 2009 بالشراكة مع مؤسسة السينما لا سيما أن الظروف، آنذاك، كانت مهيأة لإنعاش صناعة السينما الغائبة.
يجد فيلم روز اليوم نفسه، كحال الفيلمين السابقين، في مواجهة سؤال عن إمكانية تحويل مسلسل تلفزيوني إلى فيلم سينمائي حقيقي يكسب رهان الخروج من عباءة المسلسل الأصل ليصبح فيلماً مستقلاً، مؤثراً، و جديداً على مستوى الشكل و المضمون و الحقيقة أن النجاح في هكذا رهان غاية في الصعوبة و مردُ ذلك الفارق الموضوعي بين طبيعة الوسيط السينمائي و التلفزيوني فهامش التجريب في التلفزيون لدينا لا يزال ضيّقاً و محدوداً بحجة أن المسلسل يفرض شكلاً معيّناً من السرد و أسلوب الإخراج و المونتاج و بالنتيجة أصبح شكل المسلسل عندنا، في الغالب الأعم، قديماً و ممجوجاً يعتمد على الحوار و يُهمل القدرة التعبيرية للصورة و يرتكز على طريقة السرد التقليدي رغم أن الدرامات العربية الأخرى تجاوزت ذلك و ارتقت بإنتاجاتها إلى مستويات أكثر جمالاً و إبداعاً كما أن الرقابة لا تزال أكثر تشدداً اتجاه الدراما التلفزيونية لكونها تدخل كل البيوت و هذا يحدّ من قدرة المسلسل على طرح قضايا إشكالية و عميقة تطلع إليها السينما الجادة و الهامة دوماً و بالمحصلة يرث الفيلم عن المسلسل كل تلك الأعباء و يفقد طزاجته و دهشته و يأتي مقيّداً بشروط الإنتاج التلفزيوني و رغم النوايا الطيّبة التي وقفت وراء التجارب السابقة، و تقف اليوم وراء فيلم روز، و رغم ما حققته تلك الأفلام من حراك و مزاج سينمائي كنا، و لا نزال، في أمس الحاجة إليه إلا أن الأجدى اليوم، ما دام الطموح السينمائي حاضراً في أذهان بعض المنتجين، هو إنتاج أفلام سينمائية بمعايير حقيقية تُصنع للشاشة الكبيرة بما تفرضه من قضايا ملّحة و لغة سينمائية بليغة.


عمرو علي
2018 / 10 / 6

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

يوم أضعت ظلي في الجونة بدون صنّاعه!



أثيرت، بالتزامن مع انطلاق الدورة الثانية من مهرجان الجونة، قضية عدم حصول فريق عمل فيلم يوم أضعت ظلي على تأشيرات دخول إلى مصر رغم مشاركة الفيلم في المسابقة الرسمية و توجيه الدعوات أصولاً إلى فريق العمل و هم سوريون يقيمون خارج سوريا. كما لم يساهم حصول الفيلم على جائزة أسد المستقبل في مهرجان فينيسيا أو مشاركته في مهرجان تورنتو و حصول صنّاعه على تأشيرات دخول لكندا بتسهيل دخولهم إلى مصر التي فرضت تأشيرات دخول، مصحوبة بموافقات أمنية، على السوريين منذ عام 2013  لتزيد بذلك طين السوريين بلّة و لتضيف لمعاناتهم اليومية معاناة جديدة خاصة بالنسبة لأولئك اللذين لهم أقارب أو عائلات أو أصدقاء يعيشون في أم الدنيا، و أنا واحد منهم، فرغم السنوات الخمس التي عشتها في القاهرة و رغم تخرجي من معهد السينما هناك إلا أن حصولي على تأشيرة دخول لم يعد أمراً يسيراً على الإطلاق فهذه عملية معقدة لا تحكمها معايير واضحة بل إنها في الغالب الأعم ترتهن لأمزجة المسؤولين لتصبح في النتيجة ضربة حظ قد تصيب و قد تخيب و من البديهي أن هذا الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للفلسطينيين – السوريين و أبرز مثال على ذلك الناقد الراحل بشار ابراهيم الذي لم يتمكن من حضور فعاليات مهرجان القاهرة سنة 2016 لرفض طلب التأشيرة رغم مكانته الكبيرة في مجال النقد السينمائي العربي!
كتب بعض النقاد و الصحافيين اللذين شاهدوا الفيلم في الجونة انطباعات أولية تشير بمجملها إلى أن الفيلم لم يكن على مستوى التوقعات من الناحية الفنية و السينمائية و اعتبر بعضهم حصوله على جائزة فينيسيا نوعاً من المحاباة السياسية لأنه كما يتضح من تلك الكتابات يتنبى أو يميل لموقق المعارضة و المفارقة أن بعض اللذين كتبوا ذلك و بينهم نقَّاد مرموقون لم يكتبوا شيئاً عن منع صنَّاع الفيلم من الحضور و كأن محتوى الفيلم الذي لا يتناسب مع آرائهم مبرر مقنع لمنع فريق العمل من القدوم و بالتالي لا يمكن قراءة صمتهم هذا إلا بكونه قبولاً بإقصاء سينمائيين سوريين و التضييق عليهم في المهرجانات العربية و مشكلة هذا المنطق أنه يشبه منطق اللذين عملوا على استبعاد فيلم رجل و ثلاثة أيام من إنتاج المؤسسة العامة للسينما من مهرجان معهد العالم العربي في باريس متناسين أن الرد على رؤية أفلام قد لا يتفق البعض معها لا تكون عبر المنع سواء منع الفيلم من العرض و المشاركة أو منع فريق العمل من حضور المهرجان إنما تتم بطرق مختلفة كإنجاز أفلام تعبّر عن رؤى مغايرة و هذا سبق و أن حدث في السينما السورية من خلال أفلام تناولت الحياة في حمص خلال السنوات الأولى للحرب أو عن طريق الكتابات النقدية التي تحلل البناء و العناصر الدرامية و تشير لعلاقتها بالظرف الجغرافي و التاريخي خاصة حين تدور الأحداث ضمن سياق شديد الصلة بالزمان و المكان
الثابت أن المهرجان لا تقام لغاية العرض فقط بل هي فرصة للتلاقي و الاحتكاك بالنقًّاد و بالجمهور و بصنَّاع السينما و بالمحطات التلفزيونية و بالأسواق و المنصات السينمائية العالمية و هذا بحدّ ذاته لا يقل أهمية عن عرض الفيلم و رغم أن ظاهرة منع أفلام سورية من المشاركة في المهرجانات ظاهرة قديمة بدأت في 2011 و بلغت ذروتها مع منع أفلام المؤسسة العامة للسينما من المشاركة في دبي و القاهرة و منع أفلام أنجزها سوريون يقيمون في الخارج في المهرجانات العربية و لو بنسبة أقل فإن تعذر حصول صنَّاع فيلم يوم أضعت ظلي على تأشيرة دخول و بالتالي فقدانهم إمكانية حضور في الجونة يدفع بهذه القضية إلى الواجهة من جديد و يوفر فرصة لتكاتف السينمائيين في وجه منع أي فيلم سوري على اختلاف التوجهات و الرؤى من المشاركة و الحضور في المهرجانات العربية و الدولية أو منع صنَّاعه من التواجد في المهرجان فالقضية هنا ليست قضية يوم أضعت ظلي أو غيره من الأفلام بل هي قضية عامة عانى من تبعاتها كل السينمائيين السوريين في الآونة الأخيرة و هي تستهدف السينما السورية بمجملها لأنها تحدّ من قدرتها على الانتشار و نقل صور أخرى لسوريا عبر اللغة السينمائية و الرؤى الفنية الراقية بعيداً عن الصور التي تبثها نشرات الأخبار على هواها و وفق أجنداتها المعدة سلفاً و تحدّ في حالة يوم أضعت ظلي من قدرة السينمائيين على التواصل و الاحتكاك المباشر مع الجمهور العربي و رصد ردود الأفعال في العرض الأول في الشرق الأوسط فضلاً عن التواصل مع مديري المهرجانات و المنتجين و الموزعين العرب المتواجدين في مهرجان نجح بتحقيق ما يُراد له من تميّز و توهج على صعيد المهرجانات العربية و العالمية

عمرو علي
2018 / 9 / 25

السبت، 22 سبتمبر 2018

مزرعة الأبقار: نواة فيلم تسجيلي من رحم الحرب!




شاهدت خلال دورة قرطاج الأخيرة الفيلم التسجيلي الطويل مزرعة الأبقار لعلي الشيخ خضر، و هو واحد من ثلاثة أفلام سورية مشاركة في مسابقة الأفلام التسجيلية، و علي الشيخ خضر سينمائي سوري مستقل سبق له العمل كمونتير و مدير للتصوير في أفلام قصيرة مستقلة قبل أن ينجز فيلمه التسجيلي الأول مزرعة الأبقار الذي يلج إلى عالم الشاب القروي حسن العامل في تربية الأبقار بمزرعته الخاصة في مدينة السلمية. يرافق الفيلم بطله بين أعوام 2010 و 2014 فالمخرج الذي قرر سنة 2010 إنجاز فيلم تسجيلي عن أهله و مدينته سرعان ما يتورط مع اندلاع الأحداث في سوريا برغبة توثيق انعكاس الأحداث على شاب قروي نأى بنفسه عن صراعات المدينة و اعتكف في مزرعته منذ زمن. جاء الفيلم على هيئة حوارات طويلة مع حسن الذي تصّدر الشاشة طيلة زمن الفيلم تقريباً و هو يتحدث عن أحلامه و آماله و مواقفه السياسية و مفادها أن الدولة هي الضامن الوحيد لأمن البلد، و مع تطور الأحداث الأمنية آنذاك يُعتَقل حسن و يتعرض للتعذيب و ينتهي به المطاف إلى التجنيد في الجيش السوري و ينتهي الفيلم مع وصول نبأ استشهاده إلى المخرج الذي غادر سوريا متجهاً إلى مصر كخطوة على درب الوصول إلى أوروبا.

يقول حسن للمخرج - الكاميرا قبل التحاقه بالخدمة العسكرية: صورني.. يمكن هي أخر مرة تشوفني! ثم يرفع يده ملّوحاً للمخرج و للكاميرا و للمشاهدين و كأنه كان يدرك، في تلك اللحظة، أنه ذاهب إلى موت محتم و قد تحول الفيلم بذلك إلى مرثية طويلة لشاب كانت له أحلام و آمال طبيعية لكن مصيره سرعان ما آل إلى نهاية غير متوقعة فرضتها الحرب التي داهمت حياتنا فجأة و في اعتقادي أن المخرج حاول السير على خطا عمر أميرالاي في فيلمه الشهير الطوفان الذي اعتمد على تسجيل حوارات مع شخصيات تقول عكس ما يريد المخرج قوله و قد استطاع أميرالاي، عن طريق الشكل الفني و استخدام لغة سينمائية مرتبطة بالمضمون و مليئة بقيم جمالية معبّرة، أن يحقق تلك المفارقة و يجعلنا نشاركه في موقفه من الأفكار التي ترددها شخصيات فيلمه و ذلك لم يكن ممكناً لولا تسخيره لعناصر لغته السينمائية كافة في صناعة الفيلم فالإضاءة الصوت و المونتاج خلقا جواً عاماً و إيقاعاً ساهم بتسجيل اللقطات وفق نبض و إحساس المخرج أما المشكلة الأساسية في فيلمنا هنا فتكمن في العجز عن تحقيق تواصل مع الجمهور بسبب ضعف اللغة السينمائية و التطويل الذي ليس له داع فقد استفاض الفيلم كثيراً في نقل الحوارات مع حسن من زاوية تصوير واحدة، طيلة الوقت، بكاميرا فيديو متوسطة الجودة (و الشروط التقنية شيء يمكن إغفاله في الفيلم التسجيلي) و هو ما أدى لخروج أكثر من نصف الجمهور من الصالة خلال أول ربع ساعة مما اضطر المخرج لمطالبة الباقين بعد العرض بإعطاءه فرصة للدفاع عن الفيلم رغم أن مهرجان قرطاج لا يعقد عادة ندوات بعد العرض و بحسب الناقد بشار ابراهيم ترتبط مشكلة الفيلم الرئيسية بالمونتاج لأن مخرجه افتقد لشجاعة الحذف و الاستغناء عن الأزمنة الإضافية و بالتالي جاء فيلمه مثخناً بزمن إضافي كان من الأجدى حذفه للمحافظة على إيقاع رشيق و درجة أكبر من التواصل مع الجمهور كما لفتت مقالة علا الشيخ في جريدة الحياة إلى أن الفيلم لا يكشف عن موقف سياسي واضح لصانعه بقدر ما يفسح المجال للتأويل و هذه نقطة تتطلب المراجعة فتعليق المخرج في مشهد النهاية يقول بأن المسؤولين في الجيش زجوا بحسن و برفاقه في موقع اشتباك متقدم مع المجموعات المسلحة أي أن بطلنا قد دُفِعَ دفعاً إلى الموت رغم أنه التحق بالجيش طواعية لقناعته بأنه ذاهب للدفاع عن بلده و في حوار شخصي مع المخرج محمد ملص رأى أن مزرعة الأبقار نواة فيلم تسجيلي فقد جزءً كبيراً من أهميته و تأثيره لأنه في حاجة ماسة لبناء جديد يعتمد على التكثيف و الاختزال.

عمرو علي
2017 / 2 / 18

هيثم حقي: التجربة التي صارت مدرسة!


خلال تواجدي في مصر للدراسة دار الحديث أكثر من مرة في أروقة معهد السينما و بين الأساتذة و الطلبة و المتخصصين - خصوصاً في دروس "حرفية الإخراج التلفزيوني" - حول التأثير الذي خلّفه المخرجون السوريون في الدراما التلفزيونية المصرية و الذي اتضح في اتجاهات عدة أهمها الاهتمام بالمضمون و طرح قضايا اجتماعية راهنة و الاعتماد على البطولات الجماعية بدلاً من الارتكاز على نجم واحد للمسلسل إلا أن النقطة التي جرى الحديث عنها باستفاضة هي آلية التصوير بكاميرا واحدة أو ما يعرف "بأسلوب التصوير السينمائي" فقد كانت المسلسلات التلفزيونية في مصر تصور داخل الإستديوهات و بأسلوب الفيديو القديم (3 كاميرات) حتى سنة 2006 تقريباً و لهذا أسبابه الكثيرة. في السنة الأخيرة من الدراسة طُلب منا كطلاب في مادة "مناهج البحث" إجراء حوارات مع متخصصين في المهن السينمائية المختلفة حول قضايا تهم بحثنا الشخصي و كانت رغبتي بإجراء حوار مطول مع المخرج "هيثم حقي" وليدة إدراكي لأهمية الأثر الذي تركه في الدراما السورية منذ نهاية الثمانينيات عبر انطلاقه إلى خارج الإستديوهات و التصوير بكاميرا واحدة في محاولة لإستخدام اللغة السينمائية في صناعة المسلسل التلفزيوني و لا شك أن هذه التجارب فتحت الباب واسعاً أمام المخرجين السوريين لتقديم اقتراحات بصرية و رؤى مختلفة ضمن المسلسل التلفزيوني و الحقيقة أن معظم هؤلاء المخرجين أسسوا نجاحاتهم التالية اعتماداً على الأساس المتين الذي شيّده "هيثم حقي" و الذي أثبت نجاحه و أهميته مع استمرار التجربة. في أواسط التسعينيات خاض صراعاً مع أنصار الشكلانية في التلفزيون – إن صح التعبير – عبر صفحات مجلة "فنون" و غيرها من الصحف ثم طبع كتابه "بين السينما و التلفزيون" و الذي فند في صفحاته تجربته مع استخدام اللغة السينمائية في التلفزيون و قبل أقل من عشر سنوات أطلق مشروعاً طموحاً لإنتاج أفلام سينمائية حقق بعضها حضوراً في مهرجانات سينمائية و أنعشت الأمل بإحياء السينما السورية من جديد. انتقل إلى "باريس" منذ 2012 حيث ما يزال يقيم إلى اليوم. كان الأساتذة و المشرفون في معهد السينما يعرفون الأستاذ "هيثم حقي" جيداً و يدركون أثره العميق في الصناعة التلفزيونية السورية و الذي انتقل بعد فترة طويلة إلى الدراما المصرية و أظن أننا ندرك جميعاً أنه لولا تلك التجربة و ذلك الأثر لكان على الدراما السورية أن تقطع شوطاً طويلاً قبل أن تتخلص من مفهوم التلفزيون القديم و تنطلق نحو آفاق صنعت لها حضوراً و تأثيراً لا يزال راسخاً حتى الآن.



1 ـ تقول في إحدى الحوارات: "كنت دوماً أسير السينما الشعرية" و اليوم يعتبر الكثير من النقاد و المتابعين الأستاذ هيثم حقي رائداً للواقعية، هل اندفعت إلى الواقعية بسبب التلفزيون و شرطه الفني و الإنتاجي أم أن ذلك الاتجاه كان وليد قناعة و خيار شخصي بتناول المواضيع و القضايا تناولاً واقعياً على صعيد الشكل و المضمون؟

ــ  السينما الشعرية برأيي هي واقعية لكنها تنحو نحو الجمالية والغموض فهي كما تعلم تجمع حالة الشعر مع الصوت والصورة، بما فيهما من مؤثرات تشكيلية وموسيقية وإيقاعية وخلال فترة دراستي في موسكو نهاية الستينات وبداية السبعينات كان للمدرسة الشعرية السوفياتية حضور قوي ولها مشاهير كخوتسييف وأبولادزة وبارادجانوف وبالطبع تاركوفسكي ... ولم يَسلم من التأثر بها أحد من الجيل الشابّ، بالنسبة لي ظهر التأثّر جليّاً في فيلمي للتخرّج "أوتيل تاناتوس" الذي جمع بين شاعرية غامضة ونهاية تسجيلية وحين صنعت فيلميَّ الروائيين الأولين "النار والماء" و "الأرجوحة" كنت أسعى في هذا الإتجاه لكن في الوقت نفسه استعدت الحالة التسجيلية في "مهمّة خاصّة" و "السَّدْ" وفي فيلمي الطويل الأول "ملابسات حادثة عادية" الذي قدّمت فيه روائية تسجيلية، لدرجة أن مشهد العمال في مكان انتظار العمل صُوِّرَ بكاميرا سرّية تم تمويه مكانها قبل يوم لاستحالة التصوير في باب الجابية: وضعت الممثلين بين العُمّالْ ولم يكن أحد يعرفهمْ. كان صدى ذلك جيداً، و حين بدأت العمل في الدراما التلفزيونية اعتمدت الواقعية ْ الخالصة والأقرب إلى التسجيلية: تسجيل الواقع كضرورة فرضتها الرغبة بالحديث عن مشاكلنا بمباشرة تصل إلى جمهور واسع وظهر هذا في مسلسليّ الأولين "الوسيط" و "عزّ الدين القسّامْ"، و لم تعد تؤرقني الحالة الشعريّة إلا عندما قمت في "دائرة النار" الذي أخرجته عام 1988 بالإقتراب أكثر من اللغة السينمائية الراقية التي أصبحت مشروعي وقد أتاح لي نصّ ممدوح عدوان الذي يختلط فيه الشعر بالواقع فرصة تقديم مشاهد سينمائية لها هذا التأثير وهو ما حاولت تمريره في كلّ أعمالي من "هجرة القلوب إلى القلوب" عام 1990 إلى "خان الحرير" عام 1994 و "الثريّا" 1996 و "ذكريات الزمن القادم" 2003 و "الشمس تشرق من جديد" 2006 بل إنني صنعت في 1998 مع خالد خليفة مسلسل "سيرة آل الجلالي" وفيه العديد من المشاهد الشعرية وخاصة مشهد يوم الحبّ في حلب، الذي استقبل كقصيدة، بالنتيجة ... هذا تصنيف نقدي يفصل بين الأشكال الفنيّةْ أما أنا فأعتبر نفسي واقعياً وحين تتاح لي الفرصةْ عبر النصّ، أقدّم بدوري ما أستطيع من  "الشّعر" السينمائي.

2  ـ هل يكفي تصوير ما هو واقعي لنطلق على عمل فني ما صفة عمل واقعي؟ هل يعتبر السير على نهج رواد الواقعية الإيطالية الجديدة و ما صنعوه في أفلامهم مثل زافنتيني روسوليني و دي سيكا و فيسكونتي من تصوير في المواقع الحقيقية و غير ذلك كافياً لنحصل في النهاية على فيلم واقعي أم أن الواقعية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؟ ما هو مفهوم الواقعية بالنسبة للأستاذ هيثم حقي؟

ــ الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة وسينما كيروساوا اليابانية وساتجيت راي الهندية كانت كلها مع المدرسة السوفياتية بالنسبة لجيلنا أهمّ منابع التعبير عن الواقع بسينمائية عالية المستوى و من خلال تجربتي الطويلة مع السينما والتلفزيون واللقاءات والمقالات التي كتبتها توصّلت إلى أن أجمل تعبير عن الواقعية هو عنوان كتاب روجيه غارودي الرائع "واقعية بلا ضفاف" الذي يضع فيه بيكاسو وسان بيرس ضمن الواقعيين فالواقعية، بالنسبة لي، هي الإنتقاء الكاشف لما يجري على أرض الواقع من أجل تحليله وطرح الأسئلة المهمة لمحاولة دفع الناس لتغييره. من أجل هذا أركّز على أهميّة الشكل النابع من المضمون  وأعتبر أن تعريف إيزنشتين الموجز: "الشكل مضموني"، عبقري مثل صاحبه، لأن الشكل هو الذي يجعلنا نقرأ المضمون كما يريده المبدع الذي يحرضنا لنكون شركاء معه في عملية الكشف الممتعةْ، أما عن خروج الكاميرا إلى الأماكن الحقيقية والتصوير بكاميرا واحدة واعتماد المدرسة الواقعية في التمثيل فكلها وسائل لتحقيق مستوى أعلى من اللغة السينمائية الراقيةْ.

3 ـ يرى أنصار الفن لأجل المجتمع أن على السينما أن تكون شديدة الصلة بالواقع بمعنى أنها تأخذ من الواقع لتعطيه و بالتالي عليها البحث في الموضوعات المتعلقة بالمشاكل الإجتماعية بينما يذهب البعض إلى التعامل مع السينما على اعتبارها غوص أو بحث في الذات و تقديم قراءات ذاتية أو حتى إعادة بناء العالم وفق صورة تنسجم مع هواجس و أفكار و أهواء السينمائي، أين يقف الأستاذ هيثم حقي من هذين الاتجاهين؟

ــ وهل الغوص في أعماق الذات البشريّةْ إلا غوص أعمق في مشاكل الواقع الحقيقية وانعكاسها على الفرد وبالتالي على المجتمع المكوّن أصلاً من أفراد؟ وحين يكون الفنُّ حقيقيّاً فإنه ينهل من الواقع بإعادة تركيبه لجلاء صورته وإنارة الأماكن المظلمةْ فيه لتغييره و هو بهذا يجعلنا نخوض تجربة حياة الآخر ونتملّكها لتصبح تجربتنا، وحياتنا مع الفنّ هي تجارب كثيرة نجمعها، لم نعشها، لكن الفنّ جعلها لنا، و كلّما كانت التجربة عميقة وصادقة كلّما كانت الإستفادة منها أكبر ... لا أجد تناقضاً بين التعمّق في الذاتْ الإنسانيّةْ والغوص في مشاكل المجتمع لأننا في العمق لا نقيم حواجز إسمنتية بين الإنسان وواقعه.

4 ـ  تعاونت بعد عودتك من موسكو مع دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون العربي السوري في مشاريع عديدة مثل (النار و الماء) و (الأرجوحة) و (ملابسات حادثة عادية) و قدمت فيلماً روائياً قصيراً – (اللعبة) - من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، لماذا لم تتعاون مع المؤسسة العامة للسينما في مشاريع أخرى أسوة بالعديد من السينمائيين اللذين قدموا كل – أو معظم – أفلامهم من خلال المؤسسة للنجاة من الضغوطات التي قد يتعرضون أو من التنازلات الفنية التي قد يضطرون للإقدام عليها في حال عملوا خارج إطار المؤسسة مع القطاع الخاص الذي كان حاضراً آنذاك أو حتى في حال اتجهوا إلى الدراما التلفزيونية بما تفرضه على السينمائي من شكل و مضمون معيّن من الصعب أن يحيد المبدع عنه؟

ــ بعد أن قدّمت فيلمي "اللعبةْ" 1979 مع مؤسسة السينما، فكّرتُ كثيراً إلى أين عليَّ أن أتّجهْ!
كنت قد ذقت طعم النجاح الجماهيري لمسلسل "الوسيط" 1978 وما أثاره من لغط ونقاش وصل إلى الصفحات الأولى من الصحف السورية و بسبب منع فيلمي "ملابسات حادثة عاديّة" لثلاث سنواتْ وبسبب التضييق على الإنتاج السينمائي في التلفزيون لم يعد أمامي في ذلك الوقت سوى التفكير في العمل مع مؤسسة السينما وكان فيها 26 سينمائياً ينتظر كل منهم فرصة إنتاج الفيلم الوحيد في العام، هو نتاج المؤسسة من الأفلام سنوياً، و بالطبع كانت فرصتي أكبر بسبب عدد الأفلام التي أخرجتها لكنني لم أرض الدخول في هذه المنافسة لأنتزع فرصة من كان ينتظر سنوات ليحصل على فرصته، كما أني لا أستطيع الانتظار دون عمل، في هذه الفترة حصلت على نصّ تلفزيوني متميّز لـ "أحمد دحبور" عن المناضل السوري الكبير "عز الدين القسّام" فكتبتُ معه السيناريو والحوار بإشراف درامي "لحسن عويتي"، كان العمل يحتوي على أربع ساعات من أصل 15 من التصوير الخارجي وفي أماكن صعبة: ميناء أسواق معارك جبلية مظاهرات ... إلخ . في ذلك الوقت لم يكن أحد عندنا قد تجرأ على استعمال الكاميرا المحمولة والتصوير لقطة لقطةْ وفي الأماكن الحقيقيةْ، فقد كانت هذه الكاميرا قد دخلت حديثاً واستعملت للأخبار فقط، و حين طلبت من التلفزيون إعطائي إياها للتصوير الخارجي لمشاهد المسلسل اعترض المهندس المسؤول وأكّد لي استحالة ذلك لكنني كنت قد جربت التصوير فيها في مسلسل "حياتنا" الذي صورته في دبي وعجمان فأصريت على التصوير بواسطتها وقد استجاب التلفزيون بعد تدخّل دائرة الثقافة في منظمة التحرير المنتجة للعمل مع تلفزيون قطر و كانت النتيجة أنني اتخذت قراراً بأن أرجع خطوة إلى الوراء في مجال السينما من أجل خطوتين إلى الأمام في مجال التلفزيون، أي أن أتراجع في مستوى اللغة السينمائية في أعمالي بسبب طريقة الإنتاج والتضييق الرقابي والمجتمعي في التلفزيون لأحقّق نقلة إلى الأمام في لغة الدراما التلفزيونية الأقرب إلى المسرحية وقتها و ذلك باستخدام اللغة السينمائية الراقية في التلفزيون حيث أنني أعتبر أن الدراما التلفزيونية والفيلم السينمائي يصنعان بها و قد فصّلت ذلك في كتابي "بين السينما والتلفزيون" و أعتقد أن مشروعي نجح فكلّ الأعمال السوريّة حتى التجاريّة منها تصنع بلغة سينمائية متقدمة اليوم.

5 ـ رغم الغموض الذي يكتنف تجربة القطاع الخاص في السينما السورية يعتبرها البعض تجربة فريدة و ملفتة بينما يعتبرها البعض الأخر مجرد لهاث وراء الإيرادات، ألم يكن ممكناً السمو – إن صح التعبير – بتلك الإنتاجات لتقديم ما هو أكثر أهمية فيما لو أخذنا بعين الاعتبار بعض الأفلام التي حاولت مقاربة مواضيع إجتماعية ملّحة و جدّية مثل (أموت مرتين و أحبك) و (غابة الذئاب)؟ لماذا لم تفكر في العمل مع القطاع الخاص؟

ــ القطّاعْ الخاصّ كان يعتبرني عدواً وصديقاً في الوقت ذاته: عدواً بسبب نقدي لأفلامه والسّخرية منها ومن مستواها الهابطْ، و صديقاً بسبب دفاعي عن تحرّر أفلامه من قيود رقابية عربية صارمة وبسبب قناعتي أن هذه صناعة فيها التجاري، الغالب بالطبع، لكن يمكن أن تكون قاعدة تقنية وإنتاجية لأفلام تستفيد من هذا المناخ الإيجابي رقابياً، لكن الدولة تنبهتْ إلى هذا الجانب، فعمل مقصّ الرقيب على إنهاء سينما القطاع الخاص ولم يبقَ سوى سينما تجاريّةْ قليلةْ مثل أفلام النجم الكوميدي دريد لحام: فيلم كل ثلاث أو أربع سنوات، واختفى العري الجاذب للجمهور تماماً من الأفلام في سياسة ممنهجة من قبل وزارة الثقافة تحت شعار محاربة الابتذال، و في هذه الأثناء دخل النظام في صراع مع التنظيم المُسلّح للإخوان المسلمين واعتبرها فرصة جاءته على طبق من ذهب فقرّرَ أن يُكمّمَ الأفواه بحجة ما يتعرّض له من "هجمة شرسة" و بالطبع وفي ظرف كهذا ووسط شبه تهديد أمني بسبب انتمائي - غير الحزبي لكن الفكري لليسار – و موقفي المعارض الواضح، كان عليّ أن أختار، فوجدت أن تفادي المواجهة والذهاب للعمل خارج سوريا أفضل لإبقاء الصوت مسموعاً.

6 ـ قدمت مع العديد من السينمائيين عبر المؤتمر التحضيري للسينمائيين السوريين جملة من الاقتراحات و التوصيات التي كان يكفل تحقيقها تجاوزاً للعديد من المشكلات التي عانت منها السينما السورية، هل تعتقد أن الجهات الرسمية القادرة على تنفيذ تلك التوصيات كان تعرقل ذلك خشية قيام صناعة سينمائية حقيقية أم أنه ثمّة أسباب أخرى؟

ــ بالظبط ... كما ذكرت في سؤالك: فهم كانوا ظاهراً يتحدثون في الثقافة وتطوير السينما و واقعاً كانوا لا يطيقون المثقفين، المسرحيين والسينمائيين على وجه الخصوص، بسبب معارضتهم للنظام بكلّ الأشكالْ فبعد المؤتمر تشكلت لجنة كنت فيها أنا والراحل عمر أميرالاي عن السينمائيين من خارج المؤسسة، و المخرج الراحل خالد حمادة عن مؤسسة السينما، ونقيب الفنانين ومدير عام مؤسسة السينما، و كان مشروع المجلس الوطني للسينما والصندوق الوطني لتمويل الأفلام في القطاع الخاص مطروحاً من قبلنا وبتأييد ومساهمة من خالد حمادة: المماطلة وعدم الدعوة لاجتماعاتْ ثمّ بسبب "ظروف البلد!" توقّف حينها حتى النقاش في الموضوع ولم يعد مطروحاً حتى نهاية التسعينات وبداية القرن الحالي مع ربيع دمشق حيث قمنا، عمر أميرالاي وأسامة محمد وأنا، بإحياء الموضوع لكننا لم نحصل إلا على وعود كاذبةْ.

7 ـ  أنتجت مسلسل (دائرة النار) الذي يعتبر أول مسلسل سوري يصور بكاميرا واحدة، هل كان ذلك بسبب تخوف التلفزيون السوري من المغامرة في إنتاج مسلسل يعتمد على تلك الطريقة في التصوير و تفضيله التريث لمتابعة نتائج تلك التجربة قبل أن يقدم على تبنيها؟

ــ لم يكن التلفزيون في وارد الإنتاج أصلاً: كان يغيّر الآستوديوهات للملوَّنْ ومضى زمن على إنتاجه الشحيح أصلاً و بسبب عودتي من الخارج مع مسلسل الكاتب والمنتج الراحل داوود شيخاني "حرب السنوات الأربع" 1985 الذي أظهر إسمي كمخرج للأعمال الضّخمةْ ذات الشكل الأقرب للسينما فقد عرض عليَّ المهندس فيصل مرعي (و هو منتج شاب كان يعمل في التلفزيون وله حظوة لدى الإدارة) إخراج مسلسل "غضب الصحراء" عام 1986 لحسابه و قد أغواني الموضوع لتقديم حكاية بقالب جمالي و حتى تلك اللحظة لم يكن مسموحاً أو ممنوعاً الإنتاج الخاص في مجال التلفزيون لكنه كان عرفاً غير مرغوب فيه لمكانة التلفزيون كإعلام نظام وحتى مسلسلات دريد لحام وداوود شيخاني وعلاء الدين كوكش المنتجة خارج التلفزيون الرسمي كانت تصوّر في بيروت ودبي وأثينا و هنا تعاون التلفزيون بتأجير المعدات التي لم يكن في ذلك الوقت أحد غيره يملك مثلها و جاءت إدارة متحمسة للإنتاج الخاص وعقدت اجتماعات لدعم هذا الإنتاج وحتى الإنتاج المشترك كما حصل مع مسلسلي "هجرة القلوب إلى القلوب" عام 1990 والذي كتبه الراحل عبد النبي حجازي والذي تبوأ بعدها منصب مدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وتحمس وساعد كثيراً في دعم إنتاج القطاع الخاص و قد حرَّضني نجاح "غضب الصحراء" الذي صوّرت أغلب مشاهده خارج الأستوديو على أن أبحث عن عمل معاصر أستطيع تصويره بالكامل في أماكن حقيقية وبكاميرا واحدة  و حصلت على نصّ "دائرة النار" للكاتب المعروف هاني السعدي (مؤلف غضب الصحراء) عام 1986 و قام الراحل ممدوح عدوان بإعادة الكتابة وبإشراف درامي للراحل شريف شاكر و بتعاون وثيق معي، ميّز علاقتي مع الراحل ممدوح عدوان الذي جمعتني به صداقةْ ومشاريع كثيرةْ ونقاشاتْ لا تنتهي من أجل إنجاح مشروع إقامة صناعة درامية تلفزيونية سورية، و قد حاولت مع العديد من المنتجين وقتها الحصول على تمويل لإنتاج "دائرة النار" دون فائدة فالكل اعتبر الفكرة جنونية: كيف ستصنع ما يعادل عشرة أفلام في وقت لا يكفي لفيلم ...؟ والكاميرا الواحدة...؟ وفيديو...؟ هذا شيء غير معقول ...!!!! و أخيراً وبمساهمة عدة أصدقاء في التمويل، و كنت بدوري قد بعت بيتي وتحولت إلى منتج، أنا الديموقراطي الإجتماعي اليساري، صرتُ منتجاً وعضواً مؤسساً للجنة صناعة السينما والتلفزيون في غرفة صناعة دمشق...!

8 ـ  يعتبر البعض أن تصوير الدراما التلفزيونية بكاميرا واحدة محاولة لمغازلة السينما في التلفزيون بسبب شح الإنتاج السينمائي و عدم توفر فرص مناسبة لعمل الأفلام، هل كان ذلك هو الدافع الأساسي وراء التصوير بكاميرا واحدة أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى أسباب أخرى؟

ــ هذا الموضوع الرئيسي لمقالات وأبحاث وثقت بعضها في كتابي "بين السينما والتلفزيون": القصّة لا تتعلق فقط بعدم وجود إنتاج وصناعة سينمائية حقيقية، فالسينما السورية يمكن أن نعتبرها مجموعة أفلام، بعضها رائع، لكنها في المحصّلةْ ليست صناعةْ، فحين أنتج القطاع الخاصّ عام 1974 خمسة عشر فيلماً، وأنتج القطاع العامّ خمسة أفلام طويلة وعدّة أفلام قصيرة بعضها في دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون، كنا على عتبة تأسيس صناعة سينمائية سورية تنتج وسطياً عشرين فيلماً في العام، لكن التجربة أحبطت للأسباب التي ذكرتها سابقاً وبقي الإنتاج السينمائي راكداً لا يحرك مياهه سوى فيلم واحد في العام وهو، أي هذا الفيلم، مرّة يصيب فيكون جيداً وتحصل السينما السورية على جوائز تحسب حقاً لصناع الأفلام، و مرة يخيب فيذهب إلى العلب، و تبقى الإدارات المتعاقبة تهتم بالشكليات والحفلات والمهرجانات وتقدم للناس "وهْم الإنجاز" و ومضت السنوات ونحن على هذا الحال، أما الدراما التلفزيونية ورفع سوّيتها اللغوية السينمائية فهو مشروع جاء بالتجربة كما بيّنت حيث كنت أيام الدراسة في موسكو تناقشت مع معلمي ليف كوليشوف الرائد في الفن السينمائي وصاحب (تأثير كوليشوف) الذي هو أساس المونتاج، فقد كان كوليشوف يصرّ على الطلاب بالعمل في الفيلم التلفزيوني، و طبعاً طموحات العديدين كانت سينمائية بحتة، و في النقاش معه قلت له أنني موفد من قبل التلفزيون السوري لدراسة الإخراج، لكنني سينمائي وسأصنع أفلاماً فقط، فقال لي يومها: التلفزيون مهم جداً وفي بلادكم خاصّة حيث لا توجد صناعة سينمائية، اصنع أفلاماً فأنت مؤهل لذلك لكن اهتم أيضاً بالعمل التلفزيوني، لذلك لم أتردد حين عرض عليّ المخرج سمير ذكرى عام 1975 نص فيلم تلفزيوني "قبل الزواج" لأقوم بإخراجه وصوّرت المشاهد الخارجية العديدة بكاميرا سينمائية و فكرت في الموضوع واستنتجت أن الدراما التلفزيونية ومن خلال التجربة، تصنع بلغة سينمائية سواء كانت جيدة أم سيئة، فليس هناك من لغة خاصة بهذه الدراما فكل ما نفعل هو سينما بشروط مختلفة وللتقريب أقول أن أفلام المقاولات هي ذات لغة سينمائية رديئة وفيلم المومياء لغته سينمائية عالية المستوى فوعاء العرض سواء كان التلفزيون أو الشاشة الكبيرة لا يغير من طبيعة اللغة السينمائية للعمل لكنه قد يغير شروط العرض التقنية كضعف ضوء آلة العرض وسوء حال الشاشة والجروح العديدة على النسخة و هذا ما يحدث كثيراً في صالات العرض في بلدنا و القضية ليست عقد نقص سينمائية كما يظنّ البعض بل هي تغيير لقواعد اللعبةْ فحين كان الجميع يعتبر الدراما التلفزيونية مسرحاً مصوراً قلت هذه لغة سينمائية بدائية وهناك العديد من الأفلام الشهيرة في الثلاثينات تشبهُ هذا المسرح المصوّرْ و حين تعتبر أن هذه لغة سينمائية بدائية فأنت تسعى إلى رفع سويّتها مثلما فعل سينمائيو الخمسينات حين خرجوا بموجاتهم الجديدة فارتفاع سقف الطموح لمستوى العمل الدرامي التلفزيوني بسعيه اللغوي السينمائي أوصلته إلى أعمال لا تزال منذ أكثر من عشرين عاماً تعاد سنويّاً على شاشاتنا، وطموحنا بعد أن وحّد التقدم التقني التجهيزات في السينما والتلفزيون، أن نرى أعمالاً تصل فيها اللغة السينمائية في الدراما التلفزيونية إلى مستويات غير مسبوقة، و أنا أؤمن أن جيل الشباب الذي وصل مع نهاية المعركة يمكن أن يُبدع هذه الأعمال.

9 ـ التلفزيون يدخل إلى كل بيت بمعنى أن المخرج هو من يذهب إلى الجمهور و ليس الجمهور هو من يأتي إلى المخرج و هذا يفرض نسقاً خطابياً معيناً يكفل الوصول إلى أكبر شريحة من المتلقين، كيف يمكن لمخرج مثل الأستاذ هيثم حقي تطويع هذا النسق بما ينسجم مع لغته السينمائية؟

ــ  هذه معضلة موجودة أصلاً في السينما والجملة الشهيرة للمنتجين هي: "الجمهور عايز كده" و مجال التجريب ضيّق في السينما والتلفزيون لكن مع مرور الزمن وتراكم الأعمال والسعي لقول الحقيقة وإيجاد المعادل اللغوي، الأمر يتحسّنْ، و بالنسبة لي فقد حاولت دائماً أن أحافظ على طموحي الفني والفكري و لم يخذلني الجمهور في غالب الأحيان رغم أن الطموح يصطدم في السينما والتلفزيون بالشروط الإنتاجية المجحفة التي تصل بك أحياناً لأن تقول: "كفى! تعبت من هذا الصراع ْ!" لكن تعود من جديد وأنت تأمل بأن قول نصف ما تصبو إليه أفضل من لا شيء و أن النصف الثاني ستبدأ بملئه رويداً رويداً و هناك من سيكمل الطريق.

10 ـ  قدمت في التلفزيون مجموعة من المسلسلات أسميتها: النهضة المجهضة، هل تعتقد أن المسلسل التلفزيوني يحتمل رؤى و مضامين فكرية على قدر من الأهمية إذا أخذنا في عين الاعتبار أن جمهور التلفزيون هو بالمقام الأول جمهور يفتش عن التسلية؟ كما أن بعض المخرجين اليوم يعتبرون أن التلفزيون مستنقع ميؤوس منه بسبب آلية الإنتاج و التسويق و التلقي التي تحكمه و التي تجعل المخرج في مواجهة مع الرقابة الإجتماعية إلى جانب الرقابات الأخرى، كيف تنظر إلى هذه النقطة؟

ــ لا أوافق هذا الرأي إطلاقاً فأعمال التسلية الفارغة موجودة في كل الفنون بنسبة أكبر من أعمال الفكر والمتعة الفنية لكننا قدمنا أعمالاً كثيرة، أنا وأبناء جيلي وجيل من أتى بعدنا وسار على هذا الطريق، لاتتفق مع هذه النظرة و لو عدنا لمسلسلات النهضة المجهضة من "هجرة القلوب إلى خان الحرير إلى الثريا إلى الأيام المتمردة ..." و لو أضفت إليها أعمال العديد من أبناء جيلي ثم أعمال حاتم علي وأبناء جيله لوجدت أننا لم نتوقف عن إنتاج الأعمال السينمائية التلفزيونية ذات المضامين الهامة، و تجربتي التي استمرت خمسة عشرة سنة منذ نهاية التسعينات في إنتاج أربعة عشرة مسلسلاً وستة أفلام لصالح شبكة أوربت تؤكّد أنها صنعت كلّها دون أي تدخّل رقابي، و تستطيع أن تسأل أحمد رشوان الذي أنتجت له فيلم "بصرة" و حاتم علي الذي كتبت وأنتجت له "الليل الطويل" إذا كان هناك أي تدخل في فيلميهما المتميّزين والدليل كمية الجوائز الهامة التي حصلا عليها، كما أنني تعاونت هذا العام مع شركة ميتافورا الناشئة في مسلسل "وجوه وأماكن" ولم يتدخل أحد في مضمون عملي الشديد المباشرة عن الحالة السورية ومن وجهة نظري المعارضة، و الرقابة الاجتماعية هي اليوم مشكلة لأنها تقوم على استغلال سياسي ابتزازي لمشاعر لا تتولد حقيقة عند الجمهور لكن أصحاب الأفكار المنحرفة عن جادة العقل "صنعوا منها مهنة من لا مهنة له" و الرد هو بمزيد من الأعمال التي تنير الواقع المظلم وتنتصر للعدالة، بالطبع هناك دائماً صعوبات وصراع شرس، لكن مهمة الفنان المصرّ على الحفاظ على مستواه وقول الحقيقة بقالب فني ممتع هي أحياناً شبه مستحيلة، لكنها في هذه "الشبه" الضيّقة مفتاح أمل للخروج من النفق وتقديم العمل السينمائي أو التلفزيوني الذي يرضي الطموح ويبعث متعة السير خطوة نحو الهدف، وهي متعة ما بعدها متعة.

11 ـ ما هو معيار نجاح المسلسل التلفزيوني بالنسبة إليك خاصة في ظل غياب جهد نقدي موازي للجهد الإنتاجي؟ هل يعتبر الجمهور معياراً للنجاح أم الآراء و الأحكام التي يطلقها بعض النقاد من المهتمين و المتابعين أم أن ذلك مرتبط باعتبارات أخرى؟

ــ المشكلة النقدية في التلفزيون أصعب منها في السينما فكبار النقاد العرب "لا يتنازلون"  بالحديث عن المسلسلات إلا إذا تحولت لظاهرة سلبية، بالنسبة لي أعتمد على إحساسي (لا تنسى أنني ناقد أيضاً) كما أعتمد على آراء من أثق بهم من أصدقائي و تعامل الجمهور معي وآراءه تهمني وتعطيني مؤشرات آخذها بعين الاعتبار خاصة في المسلسلات التي لا تعجب الكثيرين أو في المسلسلات التي يكون نجاحها الجماهيري والنقدي كبيراً.

12 ـ رجعت إلى السينما عبر فيلم (التجلي الأخير لغيلان الدمشقي) بعد رحلة طويلة في الدراما التلفزيونية، ما الذي اختلف في سينما الأستاذ هيثم حقي بعد التلفزيون عن سينماه قبل التلفزيون؟

ــ لا أعتبر أنني تركت العمل السينمائي إطلاقاً رغم مرور 30 عاماً على فيلمي السينمائي الطويل لكنني كنت برأيي أقدّم أعمالاً سينمائية طويلة أكثر من المعتاد بتقنيات تلفزيونية وبين كل هذه المسلسلات أخرجت 22 فيلماً تلفزيونياً ضمن سلسلتيّ "صور اجتماعية" و "موزاييك" حتى أثبت أن طول أو قصر الفيلم لا يغيّر لغته، (التجلّي الأخير لغيلان الدمشقي) كان محاولة على طريق تطبيق الرؤية التي أسست عليها مشروعي الفني والمعتمدة على التقاط مؤشرات يعطيها الواقع وتحاول أن تتعامل معها لتجد معادلاً فنياً لها، و القضية بالنسبة لي كانت في صعود الإسلام السياسي قبل الثورة مما جعلني أعود لتاريخ الصراع الذي أهتم به كثيراً بين العقل والعدل من جهة (غيلان، ابن رشد، الحلاّج، الكواكبي ...)، و بين إسلام الإذعان والتكفير، و وجدت وسيلتي بمثقف خائف يعيش حلم الثورة على الطغيان حين يرى نفسه في مكان غيلان الدمشقي الشجاع، و حلم الجنس والثروة حين يضع نفسه مكان هشام بن عبد الملك الحاكم المستبد لكنه المتمتع بالنساء والسلطة وبعلماء السلطان الذين يفتون له بما يريد، و أردت بالمقابل أن أقدم أملاً بمجموعة شباب تغني للحرية وتدعو للثورة التي ستتحقق بعد ثلاث سنوات وسيغني هؤلاء الشباب فيها صوت العدل والعقل، و ضمن عالم بين الخيال والتاريخ والواقع أردت أن أقدم هذه الرؤية بواسطة شخصية متناقضة أداها فارس الحلو باقتدار كبير. في النهاية لا أعتبر أنني خرجت من بوابة السينما العريضة لأتخبّط في ما يسمونه "أوحال الدراما التلفزيونية" فأنا لم أغادر يوماً البوابة المفتوحة على فسحة واسعة يتجوّل فيها أناس لم أتعرف عليهم شخصياً لكنهم صنعوا مجد فن السينما العظيم وكنت دائماً وأنا أخرج أعمالي أتطلع إليهم عبر البوابة وأنهل منهم لأنني لم أشعر يوماً وأنا أخرج أي لقطة صورتها في الدراما التلفزيونية أو السينمائية أنني أتحدث بلغة غير لغة السينما فأنا لا أتقن سواها.

عمرو علي
15 / 12 / 2015
منشور في مجلة نقاد دراما - العدد 2

من أطلق رصاصة الرحمة على الدراما السورية؟




يبدو بوضوح لأي متابع للشأن الدرامي أن صناعة الدراما السورية تلفظ اليوم أنفاسها الأخيرة بعد مواسم طويلة من المرض و التعثّر فانفخاض كمية الإنتاج و رداءة المستوى و صعوبات التسويق هي، بلا شكّ، أعراض مرض عضال يساهم أطباء هذه الدراما، من منتجين أولاً و نجوم و مخرجين ثانياً، بتعزيزه و تقويته ليلتهم جسد صناعة تقتات عليها آلاف الأسر فاللامبالاة و غياب الحسّ بالمسؤولية و التعاطي مع الصناعة بطريقة المحاباة و غياب الرؤية الاستراتيجية و القدرة على قراءة واقع السوق و الفضائيات العربية و ميول الجمهور المستهدف و الفساد المستشري و الموغل عميقاً حتى أدّق التفاصيل هي كلها مقدّمات تأخذ مفعولها موسماً وراء موسم و ستؤدي في النهاية لنتيجتها المحتومة و هي زوال هذه الصناعة وصولاً لإنتاج مسلسل أو اثنين كحدّ أقصى.
رغم كل الدعوات التي أطلقها نقّاد و صحافيون و فنانون لإنقاذ هذه الصناعة إلا أن الآذان ترفض الإصغاء و تفضّل أن تُطرَب لطروحات و مشاريع تجاوزها الزمن و المنطق أما الأذهان فقد أحجمت، و ما تزال، عن إدراك حقيقة واضحة و بسيطة مفادها أن اللذين ساهموا بتراجع المستوى الفني و الفكري للدراما لا يمكن لهم إنقادها و أكبر دليل على ذلك تجربة الدراما المصرية، التي واكبتها خلال سنوات دراستي في معهد السينما بالقاهرة، فهذه الدراما رفضت الاستكانة لسوقها المحلي لتسويق و تصريف نتاجاتها، رغم قدرته الأكيدة على تغطية الصناعة، و استقدمت كتّاب و مخرجين جدد أنجزوا مسلسلات استطاعت فرض حضورها على كل الفضائيات العربية بلا استثناء بسبب الجودة و مواكبة التطور التكنولوجي على صعيد الصورة و (شكل) المسلسل و التطور الفني على صعيد آليات السرد أما عندنا فما يزال الجزء الأكبر من مسلسلاتنا ينتمي لعصر ما قبل سنة 2010 على الصعيد الفني و الفكري و لا يبدو أنه ثمّة نية حتى عند المنتجين اللذين يمكن المراهنة عليهم لتحسين هذه النتاجات فالكل يفضّل الركون إلى المجرّب علماً أن هذا المجرّب أودى بالنهاية إلى شبه انهيار كامل لهذه الصناعة بلغ ذروته في الموسم الحالي و الحقيقة الأكيدة أن منتجوا القطاع الخاص اللذين كان لهم الفضل قبل سنوات عديدة في إنجاح تجربة الدراما السورية و ترسيخها هم أنفسهم اللذين يدّقون المسامير الأخيرة في نعشها اليوم بسبب تخوفهم من المراهنة على نصوص و عناصر فنية قادرة على المنافسة عربياً و على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صناعة 
.مهددة بالانهيار التام


عمرو علي
25 / 1 / 2018