الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

تلفزيون لنا: إنجاز كبير و لكن؟




 



كان و لا يزال إطلاق فضائيات سورية جديدة مطلباً اجتماعياً و اقتصادياً في آن، خاصة و نحن على عتبة مرحلة إعادة الإعمار و استقطاب الفعاليات الإقتصادية و جذب الاستثمارات الإقليمية و العربية. في هذا السياق، يأتي تلفزيون لنا كاستجابة لإلحاح طويل من قبل العاملين بالدراما السورية لإنشاء سوق محلي قادر على شراء  المسلسلات السورية التي تحاصرها الفضائيات العربية، و سواء كان سبب هذا الحصار يعود لرداءة إنتاجاتنا من الناحية الفنية و عدم قدرتها على منافسة الدرامات العربية، أم يعود لقرار سياسي يهدف لحصار المنتجين السوريين و مقاطعتهم، فلا شك أن إطلاق تلفزيون لنا عزز الأمل لدينا جميعاً بإمكانية إنشاء فضائيات محلية تغنينا عن الحاجة للفضائيات العربية على غرار التجربة المصرية. و لكن الملفت مع بدء عرض البرامج الأولى لهذه المحطة مثل خبار و سرار و في أمل هو الفقر و ضيق الأفق في التعامل مع الشكل البصري للبرامج و للقناة عموماً، فبرنامج خبار و سرار يعتمد على مقدّم و مقدّمة يقفان قبالة الكاميرا و يقدّمان نشرتهما الفنية و كأنها نشرة أخبار بلغة عربية فصحى، و لكن بلكنة لبنانية هذه المرة، مع عرض لماتيريال يتعلق بالخبر أو الحدث و هو غالباً مسحوب من الإنترنت، دون أن يبذل معدّوا البرنامج جهداً في إجراء ريبورتاجات ميدانية عن المسلسلات التي يتم تصويرها أو لقاءات مع شخصيات  يرد الحديث عنها أو حتى إجراء مكالمات تلفونية على الهواء مع هذه الشخصيات، هذا عدا عن ثبات الكاميرا و اعتماد مخرج البرنامج على زاويتين أو ثلاث دون أن يفكر بحلول إبداعية تساهم  بتحسين الصورة و ترتقي بطريقة الإخراج ليصبح قادراً على مجاراة غيره من البرامج الشبيهة سواء التي تعرض على الفضائيات العربية أو حتى تلك التي ينجزها يوتيوبرز ليعرضونها عبر اليوتيوب! و بالتالي فإن أي المقارنة قد نجريها بين برنامجنا هذا و ما يشبهه من برامج سرعان ما ستصيبنا بالإحباط و الخيبة من عدم إمكانية إنجازنا لبرامج مبتكرة و متطورة قادرة على المنافسة. و الغريب أن الفضائية الوليدة تتبع للقطاع الخاص و بالتالي فإنها مستقلة مادية و بعيدة عن البيروقراطية و التعقيدات الإدارية التي نبرر من خلالها للفضائيات الرسمية ضعف مستواها الفني و هذا ما يجعل انتقاداتنا للفضائية الخاصة أقسى من انتقادنا للفضائيات الرسمية فلا مبررات مقنعة لتمرير و قبول هذا الضعف سوى عدم اعتماد القائمين على المحطة على كفاءات جديرة بتقديم هوية بصرية متطورة تناسب عصرنا رغم أن كل العاملين في برامج المحطة حتى الآن هم من اللبنانيين اللذين ربما ارتأى بعض مديري المحطة بأنهم أقدر على تقديم إعلام معاصر و متطور و لكننا لم نشهد ما يثبت ذلك على الشاشة حتى الآن؟
و ما نقوله عن ضعف الشكل و الهوية البصرية ينسحب أيضاً على برنامج النجمة أمل عرفة و الذي عُرِضَت حلقته الأولى ليلة أمس و استضافت الفنانة القديرة منى واصف و أبرز ملامح ذلك هو فقر الديكور و عدم وجود جمهور يتفاعل مع الأسئلة أو الضيف و قلة عدد زوايا الكاميرات و بالتالي سيطرة حالة من الركود على الحلقة و إن كان من المبكر الحكم على مضمون البرنامج من حلقته الأولى فنحن لم نعرف بعد ما إن كان مجرد دردشة خفيفة مع الضيف على الطريقة اللبنانية أم محاولة لإلقاء الضوء على قضايا جادة تهمنا و تهم التاريخ على طريقتنا، فإن ما يلفت الانتباه هو إعادة الحديث في مواضيع سبق تناولها في منابر إعلامية كثيرة كالحديث عن فيلم الرسالة و التعامل مع الممثلين الأجانب أو حتى طقوس حياة ضيفتنا اليومية و الغريب أن أحداً من معدّي البرنامج لم يكلّف نفسه عناء البحث في جوانب معتم عليها في تجربة منى واصف كالحديث عن السينما السورية مثلاً، خاصة و أنها عملت بطولة أكثر من فيلم سينمائي كذكرى ليلة حب و قتل عن طريق التسلسل  أو الحديث عن زوجها المخرج الراحل محمد شاهين و هو أغزر مخرجي السينما السورية إنتاجاً و لم يسبق لأحد أن قارب تجربته الرائدة و الغنية لا من بعيد و لا من قريب إلا لماماً، و الحقيقة أن ذلك كان أجدى من الأسئلة التي تتعلق بكيفية التعامل مع غيرة الممثلات من بعضهن و هو أمر لا يهم سوى قلة قليلة!
من المؤسف أن أي انتقاد قد نوجهه لإعلامنا المحلي صار يواجه باتهامات بوضع العصي بالعجلات أو الرغبة بإفشال التجارب الجديدة و هذا أمر تبتعد عنه هذه المقالة بعد الأرض عن السماء فسعادتنا بفضائية سورية جديدة لا تضاهيها سعادة و لكنها تبقى سعادة ناقصة ما دام المستوى الفني لا يليق بحجم آمالنا و تطلعاتنا و من المؤكد أن الوقت ما يزال متاحاً للبحث عن هوية بصرية أكثر تطوراً و جمالاً و تأثيراً.




عمرو علي
2018 / 9 / 14

من بغداد إلى القاهرة: ما لديّ من الكلمات لا معنى له أمام شارع محطم!




لم يكن وجود السينمائي العراقي حيدر الحلو في أخر أيام المدينة من تأليف و إخراج تامر السعيد سنة 2016 محض مصادفة. في 2003 انضم الحلو إلى فريق عمل فيلم غير صالح تأليف و إخراج عدي رشيد و هو حسب تسلسل الوقائع و تصنيفات النقاد أول فيلم عراقي يتم إنجازه بعد سقوط بغداد. في ذلك الوقت، حمل عدي رشيد و مدير التصوير زياد تركي و الممثل حيدر الحلو الكاميرا بعد عثورهم  في السوق السوداء على علب خام كوداك 35 مليمتر يُعتّقد أنها هُرِبَت من بين أنقاض مؤسسة السينما العراقية و شرعوا في تصوير الفيلم. لم يكن الخام صالحاً للاستخدام فالشركة كانت قد أوقفت إنتاجه و استخدامه منذ سنة 1983 و هنا وُلِدَ اسم الفيلم. بدأ التصوير دون وجود سيناريو أو حبكة فقد كان صنّاعه، الناجون، مأخوذين بضرورة توثيق اللحظة و تسجيل ما يشبه يوميات مدينة خرجت لتوّها من أتون الحرب و الحصار. خلق عدي رشيد شخصية حسن، و هي بلا شكّ معادل تام لشخصية مخرج الفيلم ذاته، فحسن مخرج سينمائي يعيش في بغداد و يطمح لتصوير فيلم تسجيلي عن مدينته الأثيرة و لكنه محاصر بالعبث و اللاجدوى. ما لديّ من الكلمات لا معنى له أمام شارع محطم؟ عبارة يقولها حسن في بداية الفيلم تكاد تلخص مجمل الهواجس التي تدور في الذهن. مدير التصوير يظهر في الفيلم و يسأل حسن: ماذا سنفعل بالألوان؟ هذا الخام غير صالح!  يجيبه حسن: هل يوجد ألوان في هذه المدينة؟ يصمت زياد بينما يواصل الفيلم رحلته و يصّور شهوداً على الحرب: شاب ينقذ جندياً عراقياً من القصف بينما لا يكفّ والده العجوز عن الاستماع إلى الراديو القديم. معتز، شاب يحلم بالمشي و الركض و لكن إصابته الجسدية الدائمة تمنعه عن ذلك. ميسون، زوجة حسن، ترغب بالعودة للتدريس لكنها تصطدم برفض زوجها خوفاً من الانفلات الأمني. فجأة، و في منتصف الفيلم، يوقف حسن التصوير. لم أعد قادراً على الاستمرار! لا يوجد في رأسي سوى الفراغ! هنا تتلاشى الحدود  بين الحقيقة و الفيلم على النحو الذي حدث في بداية الفيلم حين شاهد حسن ثلاث جنائز تعبر الزقاق دون أن يعرف ما إن كان قد شاهد الجنائز حقاً؟ أم أنه توهم ذلك؟ يتأمل حسن بغداد من شرفة غرفته المليئة بالكتب و علب الخام. يسير في الشوارع  جوار الأسلاك الشائكة و المدرعات الأمريكية أما زوجته ميسون، ملاذه الآمن و الأكثر سكوناً في خضم الصخب و القصف المتقطع، فيبدو حبّه لها أضعف من همومه كما يأتي على لسانها داخل الفيلم. نحن أبناء بغداد! إن لم نحافظ عليها بأنفسنا فمن سيحافظ عليها؟ تقول له بينما تحاول إقناعه بضرورة عودتها إلى التدريس و تحدي الظروف الأمنية. يعود حسن في النهاية إلى أنقاض مؤسسة السينما العراقية ليبحث بين الحطام و البقايا عن فيلمه الذي احترق خلال القصف الأمريكي قبل أن يكتشف أن الفيلم قد تحول إلى رماد و في هذه اللحظة تزول الحواجز من جديد بين الواقع و الخيال و بين التسجيلي و الروائي فعدي رشيد نفسه فقد فيلمه الأول نبض المدينة الذي صوره عام 2002 في هذا القصف و لم يعد قادراً على استرجاعه أبداً. يجلس حسن على حافة نافذة و يتحدث إلى الكاميرا و فريق عمل الفيلم من خلفها: أكرهكم! أنتم سبب كل ما حدث! هكذا، يختزل حسن ما يدور في وجدان العراقيين العائدين إلى العالم و الحياة بأعين مترقبة تتأمل الجحيم الذي عبر بهم. احتراق فيلم هو احتراق بلد بأكلمه! تمّت عمليات ما بعد الإنتاج في بيروت و ألمانيا بعد حصول الفيلم على منحة من مهرجان روتردام و دعم من شركة آري و كوداك و بدأت عروضه سنة 2005 بعد مرور سنتين على تصويره.
في 2009 بدأ تامر السعيد في القاهرة تصوير فيلمه أخر أيام المدينة و ينتمي تامر، و هو خريج معهد السينما 1998 إلى جماعة السينما المستقلة في مصر. عمل مع ابراهيم بطوط، أحد رواد هذه السينما، و بدأ بتصوير فيلمه مستلهماً تجربة عدي رشيد و رفاقه العراقيين في فيلمهم الأول بعد الحرب دون أن يصرّح بذلك أو يشير إليه بوضوح. يخلق تامر السعيد شخصية مخرج سينمائي، اسمه خالد، يعيش في القاهرة المحتقنة، كحال العواصم العربية في نهاية العقد الأول من القرن الحالي،  يحاول تصوير فيلماً تسجيلياً يجمع عدة شخصيات، لكنه في الآن نفسه يعيش صراعاً وجودياً من نوع آخر، هو صراعه مع المدينة التي تغلي: مظاهرات ضد الحرب الإسرائيلية على غزة. أخبار انفجارات و عمليات إرهابية في بغداد و بيروت. محاولات دائمة للبحث عن منزل للإيجار سرعان ما تبوء بالفشل. لقاءات مستمرة مع رفاقه السينمائيين: اللبناني باسم فياض و العراقي حيدر الحلو و اللذان قدما إلى القاهرة برفقة فيلمهما المشارك في مهرجانها السينمائي و لكل من هذين السينمائيين في السينما العربية المعاصرة حكاية: باسم فياض هو أحد أبرز مخرجي السينما التسجيلية في لبنان، إلى جانب عمله كمدير تصوير، و سبق و أن أنجز فيلماً تسجيلياً بعنوان بيروت – بغداد، 2003 أما حيدر الحلو فهو ممثل في غير صالح و سينمائي يعمل على مشروعه الأول، فراشة أمي، الذي لم يرَ النور بعد. تعامل تامر السعيد، أو خالد في الفيلم، مع مخرجين تمرسوا في رصد العلاقة بين السينمائي و المدينة و إن كانت علاقاتهم بمدنهم قد وصلت فيما يتضح من نقاشاتهم و مونولوجاتهم إلى طريق مسدود فباسم لن يصور بيروت كما طلب منه خالد لأنه غير قادر على رؤية الزيف الذي يعتريها و لهذا يكتفي بتصوير البحر عبر الكورنيش الطويل أما حيدر فيصور ملامحاً مشوهة من بغداد التي يحجب سماءها دخان الانفجارات و تستلقي على نهرها أشعة الشمس الكالحة ساعة الغروب.
 في مقهى الحرية بباب اللوق و على سطوح إحدى العمارات المطلة على ميدان التحرير يجتمع الأصدقاء الثلاثة القادمين من مدن عاشت أو تعيش الحرب بقسوتها و عبثها و جبروتها، أما صديقهم العراقي الرابع فهو مقيم في ألمانيا بصفة لاجئ إنساني يرفض العودة لمدينته التي تنهشها الحرب. نقاشات كثيرة لا تفضِ إلى نتيجة. ما معنى أن تستيقظ من النوم لتلقي بجثة على قارعة الطريق؟ يرصد خالد هذه النقاشات حامية الوطيس و يبدو ظاهرياً أنه غير معني بها، فهو ابن القاهرة البعيدة عن كابوس الاحتلال و شبح القتل و الانفجارات، و لكنه يحاول في العمق تلّمس معنى المدينة فهل هي مدينة حقاً؟ أم محض فكرة؟  بعينيّ عرّافة تفتش عن الكارثة قبل وقوعها يتجول خالد في وسط البلد حاملاً كاميرته ليصّور شوارعها و أناسها بكامل القلق و الغليان و الاضطراب. بعد سنتين ستقوم ثورة يناير و ستصدق نبوءة: أخر أيام المدينة! و هي ليست أخر أيام القاهرة وحدها، بل أخر أيام بغداد و بيروت و كل المدن العربية في لحظات تحول مفصلية غير مسبوقة قبض عليها تامر السعيد على طريقة عدي رشيد من قبله، بحرارة غليانها و سطوع تناقضاتها و وضوح مآلاتها، و الملفت أن أحداً من النقّاد الكثيرين اللذين كتبوا عن الفيلم لم يشر إلى ما يجمع بينه و بين غير صالح فالفيلم الأخير سيبدو لكل من شاهده مرجعاً أساسياً و وحيداً لأخر أيام المدينة و ليس وجود حيدر الحلو في كلا الفيلمين، مرّة و هو يضع جسد الجندي العراقي في دجلة لتحمله المياه إلى مدينته، و مرّة و هو يطل على ميدان التحرير و يحكي عن بغداد كمدينة يجثم فوق صدرها الموت كقدر، مجرد تأكيد أو محض اعتراف من تامر السعيد نفسه بتأثره بفيلم العراقيين الأول بعد الحرب، بل هو تواجد يذهب لأبعد من ذلك بكثير ليصير في النهاية قصيدة سينمائيين غرباء في مدن غريبة! 

عمرو علي
2018 / 8 / 28

عن التلفزيون و الكتابة الدرامية!




صدر ضمن سلسة (مسارات) عن الهيئة العامة السورية للكتاب، كتاب (التلفزيون و الكتابة الدرامية) للباحث عماد نداف و فيه يستكمل بحثاً بدأه في 1994 عبر مؤلفه الأول (الدراما التلفزيونية - من السيناريو إلى الإخراج: التجربة السورية نموذجاً) و الذي يخصّص كاتبه هنا صفحات كتابه الجديد للحديث عن الكتابة الدرامية التلفزيونية في سوريا منذ نشأتها الأولى بالتزامن مع تأسيس التلفزيون العربي السوري سنة 1960 وصولاً إلى سنة 2010 في ذروة ازدهار صناعة الدراما السورية و الحقيقة أن الجهد المبذول في هذا البحث النقدي - التوثيقي هو جزء هام من جهود نادرة و شحيحة بالأصل سعت لتناول الدراما التلفزيونية السورية بالنقد و التحليل و المراجعة فرغم ازدهار هذه الصناعة و تطورها قلما وجدنا أبحاثاً تناولتها بجدّية و اهتمام يوازي قيمتها الفنية و الاجتماعية مع وجود استثناءات قليلة في هذا الصدد أهمها (بين السينما و التلفزيون، هيثم حقي، دار الجندي 1998) و (نقد الدراما التلفزيونية، ماهر منصور، دار التكوين 2018) و بعض مقالات مجلة (فنون) و غيرها المنشور على الإنترنت.
وضع كاتبنا بحثه على سكة واضحة المعالم دون أن يستسلم لإغراء الكتابة عن مواضيع تبدو أكثر جاذبية ككواليس الممثلين أو المخرجين أو مشكلات لإنتاج و التوزيع و إن تطرق لهذه القضايا عبر إشارات بسيطة أوردها هنا أو هناك و لكنه في المحصلة كرّس الجهد كله لملاحقة الكتابة الدرامية التلفزيونية و ربطها بالسياق السياسي و الإجتماعي و توصيف علاقتها مع أنواع الكتابة الإبداعية الأخرى ككتابة التمثيليات الإذاعية و المسرح و السيناريو السينمائي و القصّة و الرواية و يصل في الجزء الأول من الكتاب و الذي يتناول السنوات الأولى لتأسيس التلفزيون لنتيجة مفادها غياب الأسس العلمية لهذا النوع من الكتابة و اعتماده على الفطرة و الهواية و على كتّاب التمثيليات الإذاعية و في مقدمتهم الراحل الكبير حكمت محسن الذي حقق مسلسله (مذكرات حرامي، 1968) نجاحاً كبيراً و على غيره مثل خالد حمدي صاحب تمثيلية (عواء الذئب، 1974) و عدنان حبال كاتب مسلسل (زقاق المايلة، 1972) و يرى الباحث أن غزارة الكتابة للتلفزيون عند الإذاعيين تعود لسببين: الأول هو لتردد الأدباء في كتابة سيناريو تلفزيوني رغم أن بعضهم كتب في البدايات أعمالاً مثل: (المنحوس منحوس، 1965) لعادل أبو شنب و (وجهاً لوجه، 1968) لعبد العزيز هلال  و (حكايا الليل، 1968) لمحمد الماغوط و سرعان ما سيرجع بعض هؤلاء الأدباء للتلفزيون بعد انتشاره و تعاظم دوره و أبرزهم عبد العزيز هلال الذي سيكتب لاحقاً (أسعد الوراق، 1975) و (الأجنحة، 1983) و هما من أشهر المسلسلات السورية، و السبب الثاني هو انكفاء السينمائيين و ترفعهم عن الكتابة للتلفزيون و هذا أمر مستمر إلى يومنا هذا مع وجود استثناءات قليلة أبرزها حسن سامي يوسف و هو روائي و كاتب سيناريو سينمائي تحول إلى الكتابة التلفزيونية في الثمانينيات، و يستند الكاتب في توثيق هذه المرحلة المبكرة لعدد من الشهادات و المقابلات المنشورة أو الشخصية مع الرواد مثل: صبّاح قباني، تيسير السعدي، خلدون المالح، علاء الدين كوكش، رياض دياربكرلي و سهيل الصغير.
يتناول الجزء الثاني الكتابة التلفزيونية في ظل فورة الإنتاج مع ظهور الفضائيات العربية و الإنتاجات المشتركة مع التلفزيون السوري و مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج و يؤخذ على البحث هنا المرور سريعاً على هذه الحقبة رغم أهميتها و غزارة إنتاجاتها كما تحتوي الجداول و القوائم التي أوردها الكاتب بعض المغالطات مثل اعتبار بعض السباعيات و السهرات مسلسلات كاملة و نسب مسلسلات لمخرجين و كتّاب غير كتّابها و مخرجيها الحقيقيين و هذا أمر يمكن تفاديه بالرجوع إلى المواقع المختصة بأرشفة المسلسلات السورية و العربية و هي كثيرة، و يعتبر الكاتب أن الفورة الإنتاجية أدت لتحول الكتابة التلفزيونية من عمل إبداعي يرتبط بهموم و قضايا الناس إلى كتابة من أجل التوزيع و التسويق لملأ ساعات البث التي لا تنتهي و هو ما أدى بالتالي إلى الخضوع لمتطلبات السوق العربي و  يسوق أدلة على ذلك أبرزها المسلسلات البدوية التي انتعشت في أواخر الثمانينيات و بداية التسعينينات و أعمال الفانتازيا التاريخية في وقت لاحق و يصّنف الباحث في هذا الجزء الأعمال حسب أنواعها من اجتماعي إلى كوميدي و تاريخي و فانتازي و رغم الإشارة لاختلاف وظيفة الكتابة فإنه يتناول أعمالاً مثل (هجرة القلوب)، (الخشخاش)، (حي المزار)، (أمانة في أعناقكم)، (نساء صغيرات)، (الفصول الأربعة)، (رسائل الحب و الحرب) و (أهل الغرام) كأمثلة عن تطور علاقة الكتابة التلفزيونية بالقضايا السياسية و الاجتماعية و الإنسانية كما يشير لبعض تجارب الأدباء والروائيين في الكتابة خلال هذه الفترة مثل ممدوح عدوان و عبد النبي حجازي دون أن يفرد لهذه النقطة مساحة كبيرة رغم انتعاشها النسبي خلال العقدين الأخيرين سواء من خلال التأليف المباشر من قبل الروائيين أنفسهم مثل خيري الذهبي (حسيبة) و حسن سامي يوسف (الغفران) أو الاقتباس كما هو الحال في سيناريوهات مأخوذة عن روايات حنّا مينة (نهاية رجل شجاع)، نبيل سليمان (الطويبي)، ألفة الإدلبي (بسمة الحزن) و عبد الرحمن منيف (الشريد) و رغم الهنّات البسيطة التي سبقت الإشارة إليها فإن الكتاب يشكّل محطة هامة على طريق نقد و تحليل و توثيق الدراما التلفزيونية السورية و هو بلا شكّ مرجع هام و أساسي للباحثين و المهتمين بالدراما السورية التي تفتقد إلى المواكبة النقدية و التوثيقية و تعاني من إحجام النقّاد و الباحثين عن الكتابة عنها باعتبارها في نظر بعضهم صناعة 
!تجارية لا تستأهل البحث و الدراسة

عمرو علي
8 / 8 / 2018

هل بقي لصالات السينما عندنا مطرح؟



كثر الحديث قبل الحرب بفترة وجيزة عن ضرورة إحياء صناعة السينما في سوريا، خاصة بعد افتتاح مجمع سينما سيتي (سينما دمشق سابقاً) في 2009  و صالة كندي - مشروع دمر في 2011 و وعود الدولة بإلزام المجمعات التجارية (المولات)، سواء تلك التي في طور التأسيس، أو التي ستفتتح مستقبلاً بإنشاء مجمع سينمات أو دار عرض واحدة، على الأقل، في كل مركز تجاري أسوة بالدول المجاورة و ترافق ذلك مع عودة مبشرة للقطاع الخاص إلى الإنتاج و صدور قرارات لتنشيط القطاع السينمائي أهمها إلغاء قانون حصر استيراد الأفلام بمؤسسة السينما و إعفاء أصحاب الصالات القديمة من الرسوم الجمركية عند استيراد معدات العرض الحديثة و اللازمة لتطوير صالاتهم و تجدد بهذا أمل السينمائيين بإمكانية نهوض صناعة سينمائية حقيقية سبق و أن انتعشت في السبعينيات لكنها سرعان ما انهارت تماماً منذ نهاية الثمانينيات و لكن و مع اندلاع الأحداث توقف كل شيء: ألغيت مشاريع و أًجِلَت أخرى و أمسى الحديث عن صناعة السينما ضرباً من الهبل أو الجنون.
في منتصف 2014 افتتح مجمع آب تاون – مشروع دمر و الملفت أن أحداً من السادة المالكين أو المستثمرين لم يفكر بافتتاح صالة سينما (صالة واحدة على الأقل!) ضمن المجمع رغم توفر المساحة و رأس المال اللازم، و قد يبرر المعنيون ذلك بتدني نسبة الإقبال الجماهيري على السينما و في هذا جزء من الحقيقة و لكنه ليس الحقيقة كلها فسينما سيتي لا تزال تشهد إقبالاً منطقياً، أو مقبولاً في أسوأ الأحوال، كما أن سينما الشام (قبل أن تغلق منذ عشر سنوات لأعمال الصيانة!) كانت تشهد ازدحاماً شديداً على الأفلام المصرية و الأجنبية و هذه حالة يتذكرها رواد الصالة و المهتمون جيداً و يبدو بوضوح أن المشكلة تكمن في عدم إدراك أصحاب الفعاليات الإقتصادية و المستثمرين لأهمية صالات السينما سواءً لناحية جدواها المالية أو لناحية مساهمتها باستنهاض صناعة توفر فرص العمل و تحقق دورات سريعة لرؤوس الأموال.
نترقب خلال الفترة القادمة إطلاق مشاريع هي جزء من إعادة الأعمار و هذه فرصة ذهبية لإنشاء سوق سينمائي قوامه دور عرض تتوزع على كافة المحافظات بما يتناسب مع الكثافة السكانية، تشكّل بدورها قاعدة أساسية لا غنى عنها لدفع الإنتاج السينمائي و توفير بيئة مثالية تضمن استمراره و لعل أبرز هذه المشاريع و أقربها إلى التنفيذ هو ما يتم تداوله عن تجديد و توسعة و إقامة لمركز تجاري داخل فندق فورسيزنز دمشق فهل بقي عند السادة أصحاب هذا المشروع، و 
الذي ينتج بعضهم للتلفزيون، لصالات السينما مطرح؟

عمرو علي
2018 / 8 / 6

بدون قيد


                                                


قبل سنوات قليلة و مع انتشار اليوتيوب و هيمنته على مواقع التواصل بوصفه منبراً محترفاً لعرض و تسويق المنتجات البصرية، بما فيها الأعمال الدرامية، حاول بعض العاملين في الدراما السورية، خاصة أصحاب الرؤية المتجددة و المواكبة للتطور، العمل على إنجاز أعمال مخصصة للعرض عبر الإنترنت لعلّ أبرزها تجربة محطة تحت (ال_35) التي أنتجت برامجاً تنوعت بين التسجيلي و الديكو-دراما وصولاً إلى محاولة صناعة مسلسل سرعان ما توقف بعد تصوير حلقة أو حلقتين، كما أنني قمتُ خلال إقامتي بمصر في سنة 2013 بكتابة عدة حلقات من مسلسل عزمتُ على تصويره و عرضه عبر محطة (نيو سينما جروب) على يوتيوب خلال موسم رمضان في محاولة لإيجاد محطات عرض بديلة عن الفضائيات التلفزيونية قبل أن يتوقف المشروع لصعوبة إيجاد الممولين و استخراج الموافقات اللازمة للتصوير، أما اليوم فقد تجاوز صنّاع بدون قيد كل التجارب السابقة في هذا الاتجاه و نجحوا بتحويل الفكرة المغرية لمسلسل مميز و فريد من نوعه في الدراما السورية، و ربما الدراما العربية عموماً، و للمرة الأولى أتيحت للمشاهد حرية اختيار طريقة المشاهدة عبر إمكانية متابعة قصّة شخصية واحدة سيقودها مصيرها لاحقاً إلى محطة بينزين مهجورة على الحدود اللبنانية حيث ستتقاطع الشخصيات الثلاث في النهاية بين مسافر من سورية و عائد إليها، و إذا كان إنجاز تجربة جديدة لناحية النوع و طريقة العرض نقطة تُحسب لصالح المسلسل فإن ما يُحسب لصالحه، في المقام الأول، هو الجودة الفنية الملفتة في الصناعة و الاحتراف الواضح بمتابعة التفاصيل و النجاح الذي لم يرقَ له أحد من قبل في مقاربة الجغرافيا السورية و الإقناع بمكان الحدث المُفتَرض، رغم أن التصوير تمَّ في لبنان، و هذا يعود للعناية الشديدة بالديكور و الملابس و الإكسسوار وصولاً لأدق تفاصيل هذه العناصر كنوع السيارات و لوحاتها و شكل الأرصفة و ألوان الجدران، كما في قضية وفيق، بعيداً عن الاستسهال أو تجاوز التفاصيل بحجّة عدم اهتمام المشاهد بها كما حدث في بعض المسلسلات التي صُوِرَت في لبنان و رغم توهج هذه العناصر في الحكايات الثلاث إلا أنها بلغت أوجها في قضية كريم خاصة مشاهد جبهة القتال عبر اهتمام فائق بالديكور، كما في المبنى المهجور، و الإكسسوار، كما في السيارات و الرايات و انتهاءً بملابس و مكياج الشخصيات و كلّها استطاعت، بدرجة من الدرجات، تحقيق شيء من الإبهار على هذه الأصعدة عززته حركة الكاميرا و أسلوب المونتاج، (القطع القافر)، على الطريقة الأمريكية و المؤكد أنه ليس من اليسير تحقيق كل ذلك دون تلبية المنتج، أو المنتجين، لمتطلبات تحقيق مثل هكذا شرط فني متفوق و هو ما يدلّ على عقلية إنتاجية و إبداعية تحترم المشاهد و تخاطبه بلغة فنية مميزة و راقية و هذا ما افتقده جزء كبير من نتاجات الدراما السورية خلال السنوات الماضية.
على صعيد الأداء أعاد المسلسل اكتشاف أبطاله ليقدمهم من جديد و كأنهم يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى في بداية مشجعة و واعدة خاصة أداء عبير الحريري و ينال منصور و هذا ينسحب على ممثلي الشخصيات الثانوية مثل خالد حيدر و محمد زرزور و كذلك قدم المسلسل اكتشافاً جديداً للفنان القدير محسن عباس الذي لمع بدور الجنرال في فيلم سينمائي و يقدم هنا شخصية أب متسلط بأداء محكم و معبّرلشخصية من لحم و دم مثلها مثل بقية شخصيات بدون قيد التي تكاد، لفرط واقعيتها، تقفز من الشاشة لتسير في شوارع و أزقة سورية و لكن دون أن يهتم صنّاع الدراما و مديروا الفضائيات بنقل معاناتها و همومها إلى الشاشة لدواعٍ تسويقية و سياسية و هنا يُحسب للمسلسل، من ناحية المضمون، طرح قضايا أولتها الدراما السورية، في العموم، ظهرها لعدم "جاذبيتها" و شبه استحالة تسويقها فنقلها المسلسل إلى الشاشة بدون قيد سياسي أو اجتماعي أو تجاري و الحقيقة أنه يؤخذ على قضية وفيق، تحديداً، سرعة الإيقاع و عدم الاهتمام بلحظات التفريغ خاصة أن بطل الحكاية يتعرض للكثير من الأحداث الدرامية التي تستلزم مثل هكذا لحظات للتأمل، و تحديداً، بعد مقتل ابنه و انتحار زوجته و كان يمكن لهذه اللحظات أن تكفل جودة إخراجية أعلى و تأثير أكبر على المتفرج و لكل ما سبق يبرز بدون قيد كتجربة مُلهمة وضعت سقفاً مرتفعاً على صعيد الصنعة و المضمون لما قد يُنجَز بعده من تجارب تحاكي نجاحه في الحضور على منبر عرض طازج و جماهيري و معالجته لقضايا حساسة و مؤثرة بأدوات فنية متطورة و محكمة و برؤية تواكب تطور الدراما و الميديا عالمياً

عمرو علي
22 / 12 / 2017


السبت، 1 أبريل 2017

قضايا السينما العربية في كتاب العربي!



جاء إصدار شهر يوليو 2013 من سلسلة كتاب "العربي" تحت عنوان "قضايا السينما العربية" و تم بين دفتيه تجميع مقالات وقعها نقاد و باحثون عرب خلال الفترة الممتدة بين أوائل التسعينيات وصولاً إلى نهاية العقد الأول من الألفية و بدايات "الزلازل" العربية فكان بذلك بمثابة استرجاع لماض قريب حمل أسئلته و هواجسه التي ما زال الكثير منها بلا إجابة إلى اليوم و إن كان الكتاب قد خصص العدد الأكبر من صفحاته للحديث عن السينما المصرية الأعرق عربياً فإنه لم يهمل،  بالمقابل، عبر مقالاته المنتقاة بعناية واقع سينمات عربية أخرى عانت و لا تزال من مآزق يبدو أنها بلا حلول بدءً من السينما التونسية التي كتب عنها "عدنان حسين" من خلال ثلاثة أفلام كانت حاضرة في أيام قرطاج السينمائية 2005  هي "الأمير" و "رقصة الريح" و "باب العرش" مروراً بالسينما السورية عبر مقال "خليل صويلح" حول سينما الموضوع و التي تطرقت لأحدث إنتاجات مؤسسة السينما السورية في نصف التسعينيات الأول ثم إلى مقالات "بشار إبراهيم" عن السينمات العراقية و الأردنية و الفلسطينية و التي ألقت ضوءً ساطعاً على تجربة "تعاونية عمّان للأفلام" و هي تجربة رائدة في تاريخ السينما الأردنية أطلقها المخرج "حازم بيطار" و أنتج من خلالها أفلاماً روائية قصيرة حجزت لنفسها أماكن و حصدت جوائز في العديد من المهرجانات العربية و رفدت سينما بلدها بدماء و رؤى مخرجين شباب حجز بعضهم مكانة سينمائية مرموقة في الأردن قبل أن يخبو الشعف الذي أثارته عقب سنوات قصيرة من إطلاقها مع تفرق عرابيها و هجرة مؤسسها  كما كشفت مقالة "بشار إبراهيم" عن تجارب تسجيلية أنجزها سينمائيون فلسطينيون خلال العقود الأخيرة وثقت جرائم الاحتلال في الأراضي العربية و فضحت همجيتها و زيف إدعاءاتها عبر منجز سينمائي ترعرع في كنف المقاومة الفلسطينية و أخلص لها و جاءت في نهاية الكتاب ثلاث مقالات تناولت جوانباً من السينما المصرية حيث كتب "يحيى فكري" عن المضحكون في السينما المصرية متناولاً علاقة السينما و الكوميديا و ارتباطهما بالواقع المصري منذ أيام "نجيب الريحاني" إلى "إسماعيل يس" و "فؤاد المهندس" وصولاً إلى "عادل إمام" و الكومديانات الجدد أما شرخ السينما المصرية الذي كتب عنه الناقد الراحل الأستاذ "رفيق الصبان" فكان نتاجاً طبيعياً لمقارنة أجراها بين سينما الموجة الجديدة التي قادها فرسان الواقعية من أمثال "محمد خان" و "خيري بشارة" و "داود عبد السيد" في الثمانينات و "سينما الشباب" التي ظهرت في النصف الثاني للعقد الأول من الألفية و لم يخلو المقال الذي جاء على هيئة استعراض لأحدث إنتاجات السينما المصرية في تلك الحقبة من أخطاء سببها عدم توخي الدقة في المعلومات كأن ينسب الكاتب فيلماً لمخرج أخر غير مخرجه الحقيقي و خلاصة القول أن هذا العدد من كتاب "العربي" يشكل بانوراما واسعة النطاق لواقع سينمانا العربية ضمن حقبة من أكثر حقباتها تعقيداً  و تبايناً في النتاجات و هو مرجع كاف للمهتمين بأحوال السينما العربية أو الراغبين بتتبع خطواتها و أخبارها في ماض لا يزال قريباً!


عمرو علي
14 / 2 / 2017

وداعاً أبو طارق.. وداعاً يا صديقي الكبير!

                            

في أيلول 2010 ذهبت إلى دبي للالتحاق بقسم الإعلام بالجامعة الأمريكية هناك و رغم أنني لم أقضِ في الإمارات أكثر من أربعين يوماً - حسمت خلالهم قراري بالعودة إلى دمشق و انتظار امتحانات قبول المعهد العالي للسينما بالقاهرة في العام التالي - إلا أنني عدت للشام ظافراً بصداقة بشار إبراهيم (أبو طارق) الذي تنزهت معه في دبي مول و ميركاتو و ميديا سيتي ثم رافقته خلال مهرجاني أبو ظبي و دمشق 2010 و هو الرجل الذي أرشدني في إحدى محادثاتنا الإلكترونية السابقة للقاءنا الشخصي إلى مركز فيديو القبس قرب بلدية الحجر الأسود و الذي كان يحتفظ بنسخ فيديو لأفلام سورية قديمة بذل أبا طارق جهداً كبيراً بأرشفتها و تحليلها في كتابه "سينما القطاع الخاص في سورية" و هو أبرز الكتب و الأبحاث - النادرة أصلاً – التي تناولت تجربة القطاع الخاص في السينما السورية و كان كتابه هذا مفتاحي للولوج لعالم هذه السينما المغلّف بالغموض و التجاهل و النسيان و للوقوف على تفاصيل تجربة فريدة ألممت بالكثير من وقائعها من خلال قراءات و متابعات و أحاديث مع روادها و الحقيقة أن جهود بشار إبراهيم في التوثيق استمرت حتى أيامه الأخيرة مواكباً نتاجات السينما السورية في مرحلتي ما قبل و ما بعد المأساة من وجهة نظر متفردة بموضوعيتها و تحيّزها للفن و للسينما و للغة الراقية القادرة على المخاطبة و التأثير و يتضح ذلك لأي متابع لمقالاته التي كتبها حول السينما السورية المستقلة خاصة تلك المنشورة في جريدة النور سنة 2006 أثناء انعقاد تظاهرة الوردة للسينما المستقلة و التي تناولت تجارب ورشة سينما أيلول و أفلام نضال حسن و حازم الحموي و كذلك مقالاته التي داوم على نشرها في عدة صحف و مجلات و مدونات إلكترونية و ربما كان أخرها ما كتبه عن الدورة الأخيرة لأيام قرطاج السينمائية التي جمعتني به بعد ست سنوات لم ينقطع خلالها تواصلنا عبر الإنترنت حيث كان يتابع باهتمام من مكان إقامته بدبي ما أنجرته في تلك الفترة من أفلام روائية و تسجيلية قصيرة أخرها الغيبوبة و هو فيلمي للتخرج من المعهد و قد كتب عنه قبل فترة قصيرة مشيداً بصنعته الفنية الجيدة و مشيراً لثغرات تتصل بالفكرة و السيناريو كما كتب عن أفلام سورية أخرى كانت حاضرة في الأيام السينمائية مثل مزرعة الأبقار، جلد و منازل بلا أبواب.
في مطعم شعبي في شارع الحبيب بورقيبة بتونس التقيته للمرة للأخيرة و هو يطلب الغداء مستخدماً الإشارات و قد اعتقدت للوهلة الأولى أنه كان يمازح عامل المطعم على طريقته – و هو المشهور بمرحه و مزاجه الرائق – و عندما جلسنا إلى طاولة الغداء أدركت بأن السرطان قد تمكن من حنجرته و أنه كان قد استئصلها قبل فترة قصيرة - لم أكن أعلم بكل هذه المستجدات - و رغم ذلك فقد أخذنا فوراً بالتحدّث عبر الكتابة على الأيباد عن الأفلام المشاركة في المهرجان و عن قضايا تخص السينما السورية و العربية و عن حياتنا الشخصية أيضاً و على تلك الطاولة اتفقنا على لقاء جديد في مهرجان القاهرة إن استطاع استخراج تأشيرة تمكنه من الدخول لمصر و هو ما لم يحدث أبداً لأن عشقه لتلك البلد و لسينماها لم يشفع له عند أرباب البيروقراطية الرافضين لدخول الفلسطينيين - و السوريين - لأم الدنيا! 
كان لقائي الأخير ببشار إبراهيم قاسياً و مؤلماً رغم محاولاتي لإخفاء حزني و خيبتي من تدهور حالته الصحية و بين لقائي الأخير معه في تونس 2016 و لقاءنا الأول في دبي 2010 تعرفت على ناقد حقيقي على طريقة أندريه بازان و سمير فريد و غيرهم ممن نذروا حياتهم للسينما و للكتابة عن السينما بدافع عجيب من شغف و حب لهذا الفن و إن كان أبا طارق ناقداً فذاً فهو في المقابل مؤرخ سينمائي فريد من نوعه في السينما العربية - كتب الكثير عن السينما الفلسطينية و المصرية و العراقية و الأردنية - و غيابه اليوم هو غياب رؤية مميزة تابعت على مدى عقود السينما العربية و رفدت نتاجاتها بكتابات جادة و مجدية لن يقدر أحد على الإتيان بمثلها و غيابه هو أولاً و أخيراً خسارة للسينما السورية و للنقد السينمائي السوري الذي أضحى بلا أب يوجه دفته كبشار إبراهيم فمن يقدر على الكتابة عن السينما السورية مثل بشار إبراهيم؟

الرحمة لروح أبو طارق!
كل العزاء لطارق و ليلى و للعائلة الكريمة!

عمرو علي
31 / 3 / 2017